شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في حقوق المسلمين

الجزء ٩ · صفحة ١٩١

لِيَرْجِعَ وَيَزُولَ ذَلِكَ الْعَارِضُ وَالْغَالِبُ زَوَالُهُ أَوْ قِلَّتُهُ فِي الثَّلَاثَةِ وَعَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ : تَزُولُ الْهِجْرَةُ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يَبْرَأُ مِنْ الْهِجْرَةِ إلَّا بِعَوْدِهِ إلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوَّلًا ، وَفِي " الْأَثَرِ " : مَنْ هَاجَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِلَّا فَلَا وِلَايَةَ لَهُ أَيْ إنْ كَلَّمَهُ عَقِبَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ خَرَجَ مِنْ الْإِثْمِ ، وَالْكَلَامُ يَشْمَلُ السَّلَامَ وَغَيْرَهُ ، فَأَفَادَ أَنَّهُ يَزُولُ الْهَجْرُ بِالْكَلَامِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إنْ تَرَكَ الْكَلَامَ فَقَدْ هَجَرَهُ وَلَوْ سَلَّمَ ، قَالَ عِيَاضٌ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ إنْ تَرَكَ الْكَلَامَ وَلَوْ سَلَّمَ ، أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ فِي بَاطِنِهِ عَلَيْهِ شَيْئًا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ - : أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْهِجْرَانُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا لِمَنْ خَافَ مِنْ مُكَالَمَتِهِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ أَوْ يُدْخِلُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دُنْيَاهُ مَضَرَّةً ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ ، وَرُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَاطَبَةٍ مُؤْذِيَةٍ .

وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ : إنَّ هَجْرَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَالزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ لَا يَتَضَيَّقُ بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَجَرَ نِسَاءَهُ شَهْرًا ، وَقِيلَ : إنَّ هُنَا مَقَامَيْنِ أَعْلَى وَأَدْنَى فَالْأَعْلَى اجْتِنَابُ الْمُهَاجَرَةِ جُمْلَةً فَيَبْذُلُ السَّلَامَ وَالْكَلَامَ وَالْمُوَادَّةَ بِكُلِّ طَرِيقٍ ، وَالْأَدْنَى الِاقْتِصَارُ عَلَى السَّلَامِ ، وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ إنَّمَا وَقَعَ لِمَنْ يَتْرُكُ الْمَقَامَ الْأَدْنَى ، وَأَمَّا الْأَعْلَى فَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ الْأَجَانِبِ فَلَا يَلْحَقُهُ الْمَلَامُ بِخِلَافِ الْأَقَارِبِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ .

٤٬١٩١ / ١٧٬٤٣٨