العدد 24 عبدالله الخليلي شيخ القصيدة العمانية الذي سحر البيان بلغته العذبة محمد بن سليمان الحضرمي
الجزء ١٣ · صفحة ٢واستعمل الفكر حتى تبلغ الأملا
فهل هذه القصيدة تكفي بالتعريف بشاعر كبير في حجم الخليلي؟ لا أظن ذلك في منهج مزحوم بعشرات الأسماء التي كسبت شهرة تاريخية، أن واضعي المنهج لا يعرفون عن الخليلي شيئا سوى أنه شاعر عماني معاصر فقط، أما التفاصيل الأخرى من حياته فذلك أمر مغيب عن ذهن الطالب والمدرس أيضا، وبالأخص هذا الجيل الجديد من المدرسين الذي لا يكلف نفسه شراء صحيفة أو كتاب يثقف بها نفسه، الا من رحم ربك وهم قليل، وهذه مأساة أخرى تنعكس سلبا على المستوى الثقافي لطلابنا الذي يتقدم الى الوراء.
مثل هذا التجاهل أودى بالكثير من الأقلام المبدعة التي أعطت وكتبت في صمت، وهذا حال أدبنا العماني الذي غيب وطمر ولم يظهر منه سوى القليل، مع أن مقولة "خلف كل صخرة في عمان شاعر" رائجة جدا ولا تحتاج الى أدنى توضيح.
لقد عرفت الشاعر الكبير عبد الله الخليلي عن قرب وكثب، وحسبي أنني أفخر بتلك المعزة التي يكنها لي، كان يعدني أحد أبنائه وكل الكتاب الشباب والشعراء هم أبناؤه حقيقة، فمن منا لم يقرأ شعر الخليلي ولم يعجب به، كنت أحد المقربين من الشيخ، وكنت مهووسا بحب شعره، وطالما قرأت ديوانه "وحي العبقرية"، وكل قصيدة قرأتها أشعر أنها فريدة زمانها ويتيمة عصرها.
هذا هو عبد الله الخليلي اذن، سليل أولئك المبدعين الذين قرأنا لهم قصائدهم وتصفحنا كتبهم، انه ولا ريب في قامة أدبية تطاول قامات أخرى عرفها الأدب العربي من أمثال شوقي ومطران وأمين نخلة وبدوي الجبل وغيرهم الكثير، كان يرتدي ثوب التواضع ويضفي على جلسائه شيئا من الأريحية، وينتقل بجلسائه من قصيدة لأخرى، وكان يعجبه أن يقرأ عليه شعره، واكتشفت بعد ذلك انه يحلو له تغيير كلمات قصائده حين تقرأ عليه، فكثيرا ما كنت أقرأ عليه بعد أن أسعدني استقباله لي واستحثني للجلوس معه في الفترة الصباحية، وكنت أجد في ذلك سرورا بالغا، وكثيرا ما كان يخصني بقصائد جديدة لنشرها في الملحق الثقافي بالجريدة، كنت أسعى اليه سعي الطالب للأستاذ، فأبدا بقراءة قصائده، والذي لفت انتباهى توقف الشاعر عند بعض الكلمات فيصحح ما قرأت، مع أن ما قرأته عليه كان مكتوبا في قصيدته، لكنه يستهويه تبديل كلمة بأخرى وقد يلغي البيت بكامله ويضيف عليه بيتا آخر، أو يبقي على الصدر، ليكتب عجزا جديدا ثم صدرا آخر لعجز ذلك البيت الذي أبقى منه صدره، فتأكدت أن القصيدة عنده تنمو باستمرار، لا تتوقف، حلقات مفرغة لا تعرف لها نهاية، وتدفق جارف لكتابة قصيدة لا تنتهي مداراتها، وتوسل مستمر لا يعرف التوقف، حتى القصائد التي تضمنها ديوانه الرائع جدا وحي العبقرية يحدث فيه تغييرا، وحين ناقشت حول هذه المسألة أجاب باجابة صريحة قائلا: ان الشاعر رب شعره وهو حر فيما كتب ويكتب واذا ما أحدث الشاعر تغييرا في قصيدة كتبها منذ سنوات فذلك من شأنه هو، هو أم القصيدة التي تتخلق في رحم ذاكرته وأبوها الذي تخرج من صلب عبقريته، وكشف لي ابنه أحمد أن ذلك شأن أبيه، فاقترحت عليه أن يخصص لوالده دفترا آخر ليكتب فيه ما يشاء من تغيير كي يبقي على النص الأول، قال: لقد حاولنا ذلك فكان يبدي الرفض، فهو لا يحب أن يؤثر عنه من شعر الا ما يستقر عليه وجدانه وما يقر عينه.
هذا هو دأب هذا الشاعر الكبير، حب جم للشعر، واخلاص متناه، وعشق حقيقي للقصيدة، عمل يتواصل ليلا ونهارا من أجل أن يكتب قصيدة تعبر عن مكنونات وجدانه وخلجات فكره، لقد كشف أكثر من مرة أنه يعيش مع الشعر ليل نهار ولا يفارقه، حتى لربما يرى في منامه أنه ينظم أبياتا وحين يصحو يتذكر بعضها ويثبتها في قصيدة جديدة، وقال لي أكثر من مرة أنه حين يأتيه الإلهام فان نفسه تنصرف للكتابة بكليته ولربما يكون نائما فيوقظه هاجس الشعر الذي يشتعل في الجوانح كما تشتعل النار فى جزل الغضا حسب تعبير ابن دريد في مقصورته، فيستيقظ لا ليستحث ذهنه لكتابة شيء ما، بل لملاحقة ذلك التدفق الذي يأتيه من حيث لا يدري، تدفق واشتعال واحتراق ومعاناة يعيشها كما تعيش الحبلى حالة مخاض عسيرة الى أن تنجب جنينها فيهدأ روعها، وهكذا يعيش الشاعر ألم مخاض ولادة صعبة لكنها لا تتعسر بإذن الله.
لقد مرت بالشاعر الكبير عبد الله الخليلي أحداث جسيمة استطاع أن يسيطر عليها بالشعر، كان يجد في الشعر ملاذه من النوائب وبلسمه من المصائب، وما أجمل هذا الحامي الذي ينبض بالحياة.
من يصدق أن هذا المشاعر قد توفاه الله والرصاصة لا تزال في أحشائه! وهذه حقيقة يعلمها المقربون منه، حيث تعرض لطلق ناري في عام 1979م، نفذت ثلاث رصاصات من جسده وبقيت واحدة مستقرة أعلى القلب في منطقة القفص الصدري، حيث تعذر انتزاعها من جسده وبقيت مستقرة إلى أن لقى ربه، وبمرور الأيام سببت له