العدد 24 عبدالله الخليلي شيخ القصيدة العمانية الذي سحر البيان بلغته العذبة محمد بن سليمان الحضرمي
الجزء ١٣ · صفحة ٣مرض شلل الرعاش الذي عانى منه كثيرا وبالأخص في السنوات العشر الأخيرة من حياته، التي عاشها في كمد ونغص ومعاناة، لكنه كان يلجأ كثيرا الى التضرع إلى ربه بالشعر ويتوسل له بأن يخفف عنه صعوبة ما يلاقى من ضني وألم، ورغم صعوبة ما يكابده ومشقة ما يلاقيه من هذا المرض المزعج إلا أنه كان بكامل قواه العقلية، والحمد لله، فهو يستوعب وقادر على التذكر.
ذات مرة حدثتني نفسي أن أطلب من الشاعر أن يكتب قصيدة في مدينة نزوى، أعلم أن هذه المدينة أثيرة في نفسه وعزيزة عليه، فإذا لابد من تهييج مشاعره، فكتبت رسالة ذكرت فيها مكانة هذه المدينة في قلبه وقلب عمه الأمام، وطلب مني مراجعته بعد أسبوع، فإذا به يسكب في حبها قصيدة تعد من أروع شعره، طاف بها حقول النور لهذه المدينة التي تعد تخت الأمة الأباضية، وكان ذلك تجاسرا مني تولد عنه قصيدة قمت بنشرها في حينها، يقول في مطلعها:
هلم الى الوادي المقدس من نزوى
الى أن نشم النور من هضبة النجوى
لنرتبع العلياء من شرفاته
نعز بها قدرا ونسمو بها علوا
وذات مرة قابلته بضع دقائق، وقال بصوت حزين: "ثفلى بمرضي يحرمني لقاء أحبتي"، فأدركت ما فيه من حزن بالغ حاولت أن أشد من عزمه وأن اللقاء سوف يتجدد ان شاء الله، وبالفعل تجدد اللقاء، وكنت من الحريصين على مجلس الاثنين الذي يحضره رجالات العلم والأدب وعشاق الشعر من أمثال الأديب الفقيه سعيد بن خلف الخروصي والأديب الشاعر سليمان بن خلف الخروصي والنحوي الشاعر موسى بن عيسى البكري والفقيه الأديب د ابراهيم الكندي الذي كان يضفي عليه الشاعر الخليلي لقب (الصناجة) وهو كذلك، وآخرون لا تحضرني أسماؤهم وكذلك أبناؤه أحمد وعبد الملك ومحمد، إن أتراب الشيخ الخليلي كثيرون وتلامذته أكثر من أن يعدوا ويحصوا، ولقد دخل مجلس الاثنين متواصلا لأكثر من ثلاث سنوات، وكلما كانت السنوات تزحف، كان المرض يزحف بوحشية الى جسد الشاعر وكانت قصيدته تقترب من المتجليات الصوفية والأشراقات، لقد نضجت القصيدة على نار المعاناة، ونضج جسد الشاعر بنار المرض وأصبح لا يقوى على لقاء أصدقائه فتقطع حضوره عن مجلسه، غير أن أبناءه كانوا في استقبال كل تلك الكوكبة المتعطشة للقائه، وكان الهدوء يخيم على المجلس والصمت يطبق على المكان فلا تسمع الا الهمس بين المتحاورين، انهم يفتقدون صاحب وحي العبقرية وفارس الضاد، لأنه في غمرة المرض ممدد على سريره في حجرته الخاصة، يعيش حالة عزلة يتفطر منها القلب كمدا وألما، فكلنا مشتاقون اليه والى إطلالة وجهه، وما هي الا أسابيع حتى انفض سامر مجلس الاثنين، ولم يعد أحد من محبيه يطرق الباب، الا في حالات نادرة للسؤال عن حاله والاطمئنان على صحته المتراجعة والمتهاوية.
وفي سانحة منها الله علي، قادتني الأقدار الى منزل الشاعر بمدينة القرم، فلعل نسمة تكون قد مرت على الشاعر فتحمل لي خبرا عنه .. هأنذا أخطو بقدمي الى حيث لا أدري، مترددا هل أدخل بيت الشاعر أم لا؟، مازلت أحوم ببيت الشاعر كما تحوم نحلة الى زهرة عباد الشمس، هناك تستقر غرفته، وفي ذلك الدور العلوي يستقر عرين الأسد، وهناك يربض الأسد الهصور، هل أطرق الباب فأظفر بلقائه، اني أعلم أن مجلس الاثنين مغلق أبوابه منذ أشهر، لكن لا بأس من طرق بيت الشاعر .. هأنذا أطرق، دخلت المجلس، مقر مجلس الاثنين، أشعر بغصة لأن فارس الميدان في صمت مطبق لا يقوى على الحركة، بادرت بالسؤال عن صحة الشيخ، كيف حاله، قيل: لقد تعاطى الدواء قبل نصف ساعة فلعله يستطيع الكلام، لكنه لا يقوى على الحركة، قلت: أبلغوه مني السلام وأود لقاءه لو كان في الإمكان ذلك، وبينما أقلب الذاكرة وأستعيد شريطا من الأيام البيضاء، اذا بالشاعر الذي أعرفه، يزحف الي مجلسه متكئا على أكتاف أبنائه، ويستقر في ذات الكرسي الذي افتقده منذ زمن، الحياة تدب في أوصاله، لقد عادت له بعد صمت مطبق، قلت للشاعر إن لي رغبة في محاورتك، ثم أنشره على صفحات الجريدة، قال: لك ذلك وأنا معك الى أن يثقل لساني، أسرعت أسائله وأملي عليه أسئلة عامة، بدأتها ببداياته الأولى لأختبر ذاكرته وقدرته على التذكر، لقد تذكر الشاعر الأبيات الأولى التي نظمها وكانت في أحد أصدقائه، وظللت أنخل ذاكرته وأقلبها وأسأله عن الشعر متى يكتب؟ وكيف تفاجئه القصيدة؟ وعن آرائه فيما كتب من شعر خلال نصف قرن من الزمان وهو عمر تجربة الشاعر، وكان الشاعر طيعا في إجابته، متدفقا ومنهمرا أحيانا، يلفظ المفردة سليمة، وقال انه كتب قصيدة بمناسبة تكريمه سماها (شبح الهوى) ويخص الملحق الثقافي بها لنشرها في