العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان
الجزء ١٩ · صفحة ٢وهي تلك التي لا تُصَدَّرُ بنصٍّ صريح، وإنما يمكن رصدها من خلال الاتِّساقِ الإيقاعي بين القصيدتين، فيحمل إنشادُ القصيدة الخالفةِ استدعاءَ السالفةِ، والمسكوكاتِ اللفظيةِ والتركيبية التي تُهاجرُ قَصْداً أو طواعيةً من القصيدة الأم، أو تضمين صدر بيت أو عَجُزِ آخر في تضاعيف القصيدة المُعارِضة، ويُعَدُّ هذا النمطُ أوسعَ الأنماطِ الثلاثة شيوعاً لدى الشاعر العُماني.
ويمكن جلاءُ هذا النمطِ في عينية سليمان النبهاني التي رثى بها أخاه حُساماً، مُصَدِّراً إيّاها بقوله: (12)
نَبأ له تَصْلى القلوبُ وتَخْشَعُ
وتَفِيضُ بالعِبَرِ الجفونُ وتهمعُ
وهو طالعُ يستدعى إيقاعُه نَصّاً شعرياً غائباً يتجلّى في عينية أبي ذؤيب الهذلي في رثاء أبنائه الخمسة الذكور، ويُصَدِّرها بقوله: (13)
أمِنَ المنونِ ورَيْبها تتوجَّعُ
والدَّهْرُ ليسَ بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
على أنني أسارع فأقرر أنَّ الاتساقَ الإيقاعيَّ وحده لا يصلح معياراً للحكم بوقوع المُعارَضة، ولكن وحدةَ الغَرَضِ وتناصَّ القوافي والتضمين وامتصاصَ بعضِ المعاني تُصْبِحُ عناصرَ ترجيح - بل قُلْ إن شِئْتَ: تأكيد - لحدوث المُعارَضة.
فقد ضَمَّنَ النبهاني البيتَ الثالثَ والعشرين عَجُزَ بيتٍ لأبي ذؤيب، فقال:
لما أتاحَ لكَ الإلهُ مَنِيَّةً
(فإذا المنيةُ أقبلتْ لا تُدْفَعُ) (14)
1/3- المعارضة المجملة:
وإذا كان النمطان السابقان يَنْصَبّان على عدد محدد من القصائد، ويسهل رصدهما تصريحاً وإضماراً فإن ثمّة نمطاً ثالثاً من المعارضة يتجلّى فيما أبدعه شعراءُ العصر النبهاني بصفة عامة والنبهاني بصفة خاصة، إذ اصطبغت قصيدته بصبغة تراثية شكلاً ومضموناً، ممّا يجعلُ من شعره معارضةً كليةً للمنجز الشعري السابق تُجاريه مُسْتَوْعِبةً إياه استيعاباً يحمل في طيّاته حُلْمَ الغَلَبةِ والتجاوز.
ثانياً- نطاق المعارضة:
ونقصد به تلك البؤر الضوئيةَ التي انجذبوا إليها، وهي نِطاقاتٌ تختلفُ سعةً وضيقاً، وتتباينُ كثرةً وقلةً من حقبةٍ إلى أخرى ومن شاعرٍ إلى آخر، وقد استفاد الشعراء العُمانيون المتأخرون زمناً من اتساع الحقبة الزمنية المُبْدِعَةِ من جهةٍ وضخامة ما أفرزتْ من جهةٍ ثانية، فكثرت معارضاتُهم وتنوَّعت.
2/1- المعارضات الخارجية:
فلو راجعنا معارضات ثلاثة شعراء من العصر النبهاني، وهم: الستالي والنبهاني واللواح للمسنا كثرةَ معارضاتهم قصائِدَ وشعراءَ، وإن اختلفوا فيما بينهم في بؤر الضوء التي انجذبوا إليها: إذ عارض الستالي خمسة شعراء ينتمون إلى ثلاثة عصور هي: الجاهلي (دوقلة المنبجي) والأموي (كُثَيِّر عزَّةَ)، والعصر العباسي (ابن الرومي، والمتنبي وأبو فراس الحمداني) مما يُشَكِّلُ طغياناً لأثر القصيدة العباسية عليه، بينما انجذب سليمان النبهاني إلى القصيدة الجاهلية بصفةٍ عامة وعالمِ امرئ القيس بصفة خاصَّةٍ (15) واحتلت القصيدةُ العباسيةُ مكاناً محدوداً مقارنةً بالستالي من جهة وبقية معارضاته من جهةٍ ثانية. فعارض امرأ القيس وطرفةَ ولبيداً وعمر بن معدي