العدد 62 محمد ناصر الجزائري في أوراق ثقافية من عمان لسميرة أنساعد
الجزء ٢١ · صفحة ٢عنه) ومكانته الأدبية. عقّب عليه الدكتور سعيد الأعظمي رئيس تحرير مجلة البعث الإسلامي بالهند، والدكتور أحمد شلبي أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة» (6)، ويظهر في النص التأطير الماضي للأحداث، المختزلة في حالة قصوى، تجعل من نمط الكتابة هنا يختلف عن نمط الرحلات، ويتماثل مع نمط التقارير الصحفية الموجزة، وقد عبّر عنها ذاك العنوان العام أوراق ثقافية من عمان، تعود ربما أساسا إلى ميل الكاتب إلى الطابع الصحفي.
2. أبرز لقاءات الرحالة في عمان:
ذكر محمد ناصر الشخصيات التي نظمت الندوة، كالمفتي العام لسلطنة عُمان الشيخ أحمد بن محمد الخليلي، الذي أضفى بشخصه وطبعه على أعمال الندوة: «جدية وثراء، وحوارا علميا هادئا» (7)، كما أشرف على الندوة وزير التجارة والصناعة، ووزير التربية والتعليم والشباب بالسلطنة، وعدّد الرحالة الأساتذة المشاركين بمحاضراتهم في إثراء جانب حياة الصحابي مازن بن غضوبة رضي الله عنه، دون وصفهم منهم: مدير الشؤون الإسلامية بوزارة العدل، والشيخ مبارك بن عبد الله الراشدي، والدكتور اليقظان بن طالب الهنائي من عمان، والدكتور سعيد الأعظمي من الهند، والدكتور أحمد شلبي من مصر، والدكتور فرحات بن علي الجعبيري من تونس.
كما سجل محمد ناصر، في الحلقة الثانية والأخيرة من رحلته، حدث لقائه بالطلبة، والأساتذة الجزائريين، والتونسيين المقيمين هناك، واغتنامه فرصة وجوده بمسقط لإجراء محادثتين صُحفيتين، وتسجيلهما، وكانتا مع السفير الجزائري: «الذي يعجز القلم عن وصف الحفاوة والرعاية التي استقبلنا بها، منذ دخولنا مطار (السيب) بمسقط إلى لحظة وداعنا له، والحق إن المرء ليشعر بهذا الاهتمام البالغ الذي يوليه لإخوانه الطلبة الذين يدرسون ببعض المعاهد الإسلامية هناك» (8)، وأشار إلى شيخين عمانيين جليلين جمعته معهما لقاءات أخوية في الرستاق، وهما: الشيخ الخليلي، والشيخ سعيد بن حمد الحارثي، وهذا الأخير، عُرف بظرفه وأدبه، وبرحلاته الكثيرة في بلدان العالم. (9)
3. الحياة الثقافية والاجتماعية في عُمان:
اعتنى محمد ناصر خلال وجوده في مسقط، بزيارة المعالم الحضارية والثقافية، التي يتمتع برؤيتها، وخدماتها سكان المدينة، وقد أخبر ناصر بمسعى سلطنة عمان النهضوي في مجال الثقافة، أُسس له منذ السبعينات، يهدف إلى إحياء التراث وفهمه، وتحديث الفكر بما يصلح من أوجه للمعاصرة، ولذلك عملت وزارة التراث (القومي) والثقافة بجهود كبيرة لإحياء التراث وجمعه، والحفاظ على مخزون المخطوطات، بالتنقية، والترميم، والتجليد، والزخرفة، وكذلك بنشر الكثير منها، وتحقيقها، وقد وصلت الوزارة حتى سنة زيارة الرحالة إلى البلاد إلى تحصيل أربعة آلاف مخطوط، وتحقق ذلك بمساعدة العمانيين المالكين للمخطوطات، وجلب الدولة العديد منها من دول أخرى، هذا إضافة إلى مخطوطات ما تزال عند أصحابها تشرف وزارة التراث الثقافة على صيانتها، وأفادنا ناصر بتميّز العمانيين بالكتابة في العلوم الفقهية، وعنايتهم بمن يؤلف كتبا حولها: « .. عُرف العمانيون بتأليف المطولات الفقهية نظما ونثرا، يكفي أن نذكر مثلا أن (قاموس الشريعة) يبلغ سبعين جزءا، وقد تفضلت الوزارة بطبع العديد من مؤلفات الشيخ أطفيش محمد بن يوسف الجزائري» (10)
ولاحظ محمد ناصر وجود المكتبات، ووفرتها في أغلب المؤسسات العامة، كالمعاهد، والمساجد، والأندية، .. تحتوي على أحدث الوسائل التي يحتاج إليها القارئ، إضافة إلى وجود مكتبات خاصة في كل بلدة، تقدم للباحثين كنوزا من المخطوطات التراثية، وتسهل لكل راغب في المعرفة تصفح المخطوطات، وتوفر له كل الوسائل للنسخ والتصوير، وذكر الرحالة منها مكتبة السالمي في منطقة اسمها «بدية»، ومكتبة السيد محمد البوسعيدي، وهي من أغنى المكتبات بالمخطوطات، وأضخمها في عمان. (11)
ومن الأخبار الاجتماعية التي قدّمها الرحالة عن شعب عمان، تمسك الناس هناك بتعاليم الدين الإسلامي، باد ذلك في سلوكهم، وأخلاقهم، إذ عرفوا بالكرم، والتواضع، والمحافظة على الأصالة في اللباس والأكل، وكذلك في هندسة المباني، التي ظلت على الطابع العمراني العماني الأصيل، رغم ضخامتها، وتطور مرافقها (12)، وقد عبّر الكاتب عن كل ذلك قائلا: « .. فالعمانيون يتمسكون بالقيم الإسلامية ويحافظون على الأصالة في كل مظاهرها الحضارية .. لا سيما في العلاقات الاجتماعية مثل الكرم الحاتمي الفياض، فإن ما يؤذي العماني الأصيل أن يدعوك إلى قهوة أو غذاء أو عشاء وترد طلبه، ومن الأخلاق العربية الأصيلة التي يتحلى بها العمانيون هذا التواضع الجم .. حتى أنهم ليخجلونك أحيانا بتواضعهم ذاك .. على أن الدعوة إلى القهوة والغذاء ليس معناها الأكل والشرب والتطيب بالبخور ثم الانصراف إنها عادة عربية أصيلة وجلسة شرقية مريحة .. وقد استمتعنا والحق، بجلسات مفيدة مع الشيخ الخليلي تحت ظلال النخيل بالرستاق .. » (13)، يبيّن النص انطباعات الرحالة الذاتية بشكل واضح، من خلال الاستحسان، واختيار ألفاظ تقويمية ذاتية (الكرم الحاتمي الفياض، الأصيل، التواضع الجم، جلسات مفيدة)، وانطباعات نبعت عن مشاهدة، واستمتاع بجلساته مع العمانيين، التي لاحظ بفضلها الكرم، والتواضع فيهم.
وأفاض الرحالة الحديث عن مدينة الرستاق، ومكانتها العلمية، والفكرية، فذكر شخصيات قديمة اشتهرت فيها بمؤلفاتها، وعلمها، قال عنها: «وقد احتلت ولاية الرستاق في السابق المركز الأول من الناحية الفكرية إذ كانت مركزا ثقافيا يجمع الكثير من العلماء والأدباء ومقرا للسلطة والامامة .. وتعرف بمشاهيرها من الأئمة والعلماء،