العدد 62 محمد ناصر الجزائري في أوراق ثقافية من عمان لسميرة أنساعد
الجزء ٢١ · صفحة ٣مثل الإمام سيف بن سلطان بن سيف الملقب (بقيد الأرض) وقاضي القضاة راشد بن سيف اللمكي ت (1915م) .. » (14)
4. المعالم الحضارية في عمان:
قدّم محمد ناصر لقرّاء رحلته صورة عن المكان، ومعالمه الحضارية، فنجد وصفه لمسقط، التي ذكر أنها تمتاز بموقعها الساحلي الخلاب، وهي ذات مسجدين ملفتين للنظر، لضخامتهما، وهندستهما الرائقة، وكذا انسجام النقوش وروعتها بهما، وعجب محمد ناصر لوجود مرافق أساسية بمساجد مسقط تؤمن للزوار المطالعة، والاستراحة، والإطعام، وايضا ولاية سمائل، التي تضم مسجد الصحابي مازن بن غضوبة رضي الله عنه، ويحظى جبلها باحتضان قبره، على السفح، بموضع يدعى (الدقدقين).
وكانت مشاهدته لمدينة الرستاق، مثار تذكر لفضاء مشابه، له سابق معرفة به، يقول: «أما الرستاق المدينة فقد ذكرتني في جمالها الطبيعي الأخاذ بمدينة غرداية بواحة نخلها المنعطفة مع الوادي بين الجبال المحيطة بها من كل جانب .. بل إن الداخل إليها من جهة مسقط أشبه ما يكون بداخل إلى غرداية من منعطفات (بوهرارة) .. وقد لاحظت هذا التشابه حتى في الحشيش الذي هو من نوع (النجم) الموجود بكثرة في غابات وادي ميزاب والذي يشتكي منه الفلاحون عندنا كما يشتكي منه الفلاحون هناك لأنه من الطفيليات المقلقة للأشجار والخضروات وتكثر بواحتها الأفلاج، فإن بالولاية حوالي مائتي فلج تسقي النخل والأشجار قِبل السفرجل، والمانجو، والباباي» (15)، قدّم الكاتب في جمال تصوير، كليشيهات مكانية ثلاثة موازية، ومقارنة، تنتمي لفضاء الذات، الذي ثبّته دلاليا لفظ (عندنا)، فكانت لقطة البداية عرض منظر واحات مدينة غرداية (بالجنوب الجزائري)، بين جبال محيطة، وواد متخلل لها، وهو منظر يوحي بتعدد الألوان، والأصوات الطبيعية، يحرك خيال القارئ، ليضفي على الصورة المزيد من العناصر المكانية المكملة، كمنظر السماء، وألوان عامة تغشى اللوحة لتعبر عن الوقت، وقد يكملها بعناصر أخرى تشغل الفضاء، كالطيور، وقليل من الناس، أو الفلاحين، أما المنظر الثاني، فهو يعكس صورة لمدخل مدينة غرداية جهة بوهرارة، وقد آثر الكاتب في هذا التصوير الاقتصاد التعبيري، مكتفيا بذكر الشبه بين مدخلي المدينتين: الرستاق، وغرداية، فكان فضاء متروكا للقارئ، ليكمل رسم المنظر مجهول الملامح، إلا بالنسبة لمن سبقت له زيارة غرداية، ومشاهدة المدخل المعبر عنه، والمنظر الثالث، هو صورة مقربة أكثر من الصورتين السابقتين، ارتبط بتحديد نوع من النبات الطفيلي الموجود في غابات وادي ميزاب (بغرداية)، والذي يعرف بالنجم، وهي لوحة يسيطر عليها اللون الأخضر، مع ألوان أخرى مكملة، واختار الكاتب تدعيم الصور الذاتية التي قدّمها بشاهد شعري يتغنى بجمال المدينة للشاعر العماني محمد بن شيخان السالمي، يقول فيه:
«وما الرستاق إلا عرش ملك
عليه يستوي المسعود قهرا
دعته لنفسها الرستاق كفؤا
وكانت في حمى الماضين بكرا» (16)
ورجع بنا محمد ناصر إلى الوراء، ليسرد علينا أخباراً تاريخية عن حصن الحزم: «الذي بناه الإمام سيف بن سلطان اليعربي سنة (1708م) ويعتبر من أروع بدائع الفن المعماري الإسلامي العماني، فقد أنفق فيه الإمام مبالغ طائلة ويمتاز بعدم وجود أية أخشاب بسقوفه في عقود مستديرة ثابتة على أسطوانات عليها نقوش بالجص والحجر، ولا يقل عرض الجدار الواحد فيه عن ثلاثة أمتار، وله عدة أبواب فخمة، وبه ممرات سرية عرض كل منها وارتفاعها متران تمر بجنبات الحصن الأربعة وتخرج بعد ذلك إلى المدينة كما توجد بداخل الحصن مدافع قديمة برتغالية وإسبانية كانت تستخدم لضرب العدو من مسافات بعيدة وتوجد به غرف لتدريس القرآن والدين، ويخترق الحصن فلج ذو مياه نابعة تتدفق مياهه حتى الآن لتسقي من في الحصن وتروي أشجار النخيل المحيطة به» (17) استخدم في هذا المقطع أسلوب السرد الوصفي، الذي تفتتح عباراته الوصفية، بأفعال مختلفة دالة عل فعل التأسيس والبناء، والتزيين، والتحديد للأجزاء المكونة، .. ويقدم الكاتب رأيه في الحصن، بأسلوب التفضيل (أروع بدائع الفن المعماري)، الذي لا يعهد في الوصف التاريخي المحض، وإنما يدخل في الوصف الأدبي، ويعد هذا من خصائص الوصف في فن الرحلة.
5. ما وراء كتابة الرحلة:
جاءت رحلة محمد ناصر إلى عمان بلغة مباشرة، وصريحة، تدعو مواطنيه إلى أخذ العبرة، والاقتداء بإخوانهم العمانيين، ووضع استراتيجيات فعالة لتنمية قطاع التعليم في الجزائر، وهذا عندما قدّم انطباعاته الشخصية عن الندوة الثقافية، التي أقيمت في عمان للتعريف بالصحابي مازن بن غضوبة رضي الله عنه، إذ لاحظ إحكام التنظيم، والتسيير لأعمال الندوة، ومحاضراتها، وأعجب بالمبادرة التي قامت بها اللجنة المشرفة، من طبع المحاضرات، وتقديمها للحاضرين سلفا، حتى يتمكنوا من المتابعة الجيدة، والرد، والتعقيب عليها، وما زاد إعجابه، هو تكليف أحد المحاضرين: «بإعداد كتاب الندوة حول العلم الذي سيكون محور الندوة يراعي فيه صاحبه الدقة والشمول ليكون معتمدا بعد التصحيح والإضافات والطبع مرجعا هاما للمناهج والمقررات الدراسية في الثانويات والجامعات .. وحبذا لو يعمل بهذا التنظيم الجيد الجاد في ملتقياتنا الفكرية التي طالما بقيت توصيات