العدد 65 عمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى لعبد الله بن علي العليان
الجزء ٢٢ · صفحة ٢التجارة العالمية، وأصبحت مدنها «المرفئية في التجارة ذات بعد عالمي، وفي طليعة هذه نجد: صحار عاصمة عمان القديمة.
كما أصبحت عمان بفضل هذه المكانة الجديدة في الدورة التجارية العالمية مضرب الأمثال في سعة الرزق، ورواج التجارة، فقد قيل: «من تعذر عليه الرزق فعليه بعمان»، وهناك من ينسب هذا القول إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وإذا لم تثبت نسبته فإنه يدل على مدى توفر وسائل الكسب بعمان، وقد قال الأصمعي: «الدنيا ثلاث عمان، والأبلّة، وسيراف»، وجاء في «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للجغرافي المقدسي «من أراد التجارة فعليه بعدن، أو عمان، أو مصر». ويتحدث الجغرافيون العرب عن الإنتاج الزراعي لعمان فيقول الحميري: «وبلاد عمان مستقلة في ذاتها، عامرة بأهلها، وهي كثيرة النخل والفواكه والموز والرمان والتين والعنب»، وقد بلغ خراج أهل عمان على المقاطعة ثمانين ألف دينار، وجمع في العصر العباسي من الجباية مبلغ ثلاثمائة ألف دينار. (6)
وكان العمانيون منذ القدم معروفين عند الحضارات والأمم القديمة بأنهم ملاحون ماهرون، ولهم باع طويل في التجارة البحرية مع آسيا وأفريقيا، وبقي هذا الإرث الهام يتفاعل باطراد وفق ظروف الاستقرار ومناخ الحركة الاقتصادية العالمية، ولم تقتصر «علاقة العمانيين بالسفن في صناعتها وإدارتها، بل كانوا يمتلكونها أيضاً، فقد ذكر المسعودي في كلامه على بحر الزنج» وذكر جماعة من نواخذة هذا البحر من … العمانيين وهم أرباب المراكب، كما قال في كلامه عن الخليج: «وقد ذهب كثير من نواخذة هذا البحر وهم من أرباب المراكب من … العمانيين ممن يقطعون هذا البحر ويختلفون إلى عمائره في الأمم التي في جزائره وحوله». ووصف سفالة فقال: «وهي أقاصي بلاد الزنج وإليها تقصد مراكب العمانيين». وقد ذكرت المصادر أسماء بعض من امتلك المراكب من أهل عمان وممن ذكرتهم، اسمعيلويه الذي خرج في سنة 300هـ في مركبه من عمان إلى قنيلة، وإسحاق وكان قد قدم من الصين سنة 300هـ على ظهر مركب يملكه وحمولته، وكاوان الذي وصل عمان سنة 317هـ في مركبه قادماً من سرنديب، ومحمد بن بابشاد بن حرام. وهكذا فإن أهل عمان لم يقتصر نشاطهم على الملاحة، بل امتد إلى مختلف جوانب النشاط التجاري البحري، فكان بعضهم يدير السفن ويبحر فيها، وبعضهم يمتلك السفن ويستخدمها لنفسه أو لمن يؤجره، وبعضهم يقوم بالتجارة أيضاً، وهذا مكنهم من القيام بنقل سلع أفريقيا والهند والشرق الأقصى مباشرة دون الاعتماد على العناصر الأخرى.» (7).
فالجغرافيا جعلت عمان على مفترق الطرق ونقطة التقاء بين الشرق والغرب تجارياً، بحكم موانئها التجارية الهامة، فبالنسبة إلى الصين والشرق الأقصى، كانت عمان أحد المراكز التجارية التي توزع منها متاجر الصين، لذا تصف العديد من المصادر صحار خاصة بأنها «دهليز الصين» نظراً لما يمر بمينائها من المنتجات الصينية. وهناك على ما يبدو أكثر من طريق بحري إلى الشرق غير أن الأشهر من هذه الطرق طريقان اثنان سلكتهما السفن التجارية. الطريق الأول: تسلكه عادة السفن الكبيرة التي يمكن أن يطلق عليها عابرة المحيطات وهو من أطول وأشق الطرق البحرية الدولية إذ تستغرق الرحلة فيه من الخليج العربي إلى الصين قرابة عام ونصف، وقد أشار إلى هذا الطريق بشكل مفصل سليمان التاجر في معرض حديثه عن البحار الشرقية.» (8).
ويشير أحد الباحثين الصينيين الى أن العمانيين كانوا من أمهر الملاحين في التجارة وكانت صحار بوابة الصين «ولم تكن عمان مركزاً مهماً للسلع المتبادلة بين الشرق والغرب لشبه الجزيرة العربية فحسب، بل كانت همزة الوصل للمواصلات للسفن التي لا بد أن تمر بين الشرق والغرب. وعندما تحدث سليمان في سجل رحلته عن الممر المائي في منطقة الخليج فإنه يذكر أكثر من مرة مدينة مسقط. وفيما بعد جاء حسن العالم التاريخي العربي الذي أضاف معلومات جديدة إلى سجل رحلة سليمان إلى الصين حيث اعتبر عمان وميناء سيراف الذي يقع على رأس الخليج هما الميناءان المهمان على نفس المستوى في مجال القيام بالتجارة مع الصين.
ثم تبحر السفن من هذه المنطقة إلى الشرق بعد مرورها بكثير من الدول وبعد أن تمضي 36 أو 37 يوماً يمكنها الوصول إلى دولة موي (وهذه الدولة تسمى ووشيون في عهد أسرة سون الصينية) وان ما يطلق عليه اسم موي أو ووشيون كلاهما يعبر عن اللفظة المقابلة MAZUN وهي صحار الآن في عمان. (9)
وإذا كان العمانيون قد أصبحوا بحكم خبرتهم على هذا النحو من المقدرة والشهرة في ركوب البحر فلا غرابة إذا قال بعض الباحثين من أن الطريق البحري إلى الشرق الأقصى كاد أن يكون حكرا على رجال البحر العمانيين دون غيرهم، وان النشاطات التجارية أصبحت في أيديهم حتى عام 264هـ / 878مـ، وان ملاحي عمان وتجارها كانوا هم العناصر المؤثرة في ازدهار النشاط العربي الملاحي في المحيط الهندي. فمن صحار ومسقط والموانئ العمانية الأخرى برز عدد كبير من الملاحين العمانيين الأكفاء الذين أوردنا أسماء بعضهم والذين سيطروا على التجارة البحرية مع الشرق الأقصى وافريقيا الشرقية، وكانوا أكثر مهارة من السيرافيين بل وكانوا يتفوقون عليهم ويسيطرون على معظم الطرق التجارية البحرية لأنهم كانوا أمهر المسلمين عامة في فنون البحار في العصور الوسطى. (10).
وإذا جئنا إلى العلاقة بين عمان والهند والسند، يرى الكثير من الباحثين أن العمانيين وصلوا إلى الهند، وكانت لهم علاقات تجارية نشطة، كان العمانيون يستوردون العديد من المنتجات من الهند، ويشترون أيضاً الأخشاب التي يصنعون منها السفن في عمان وبعضها يتم صناعتها في الهند.