مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 65 عمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى لعبد الله بن علي العليان

الجزء ٢٢ · صفحة ٣

وكانت عمان تصدر إلى الهند العديد من المنتجات منها اللبان والصمغ والجلود والتوابل، وكان بعض هذه المنتجات في فترة من الفترات يستعمل في التحنيط والتبخير وصناعة العقاقير كما امتد نشاط العمانيين الى سرنديب وسيلان والعديد من المدن الآسيوية. وفي العصور المتأخرة كان يصدر إلى الهند من ظفار بسلطنة عمان اللبان والخيول والجلود. (11).

فالعمانيون منذ انفتاحهم على الحضارات والشعوب، فإنهم أدركوا أهمية موقع عمان ومركزها الدولي، وأهميتها التاريخية، لذلك انطلقوا في أنشطة التجارة البحرية على وجه الخصوص، «وقد ساعدت طبيعة السواحل العمانية، بجانب هذا الموقع، على قيام موانىء عمانية ملاحية نشطة أصبحت علاقات بارزة في شبكة الملاحة الدولية طيلة العصور القديمة والعصر الوسيط. فبالرغم من طبيعة تكوينات السلاسل الجبلية العمانية وتنوعها في مناطق الشمال عن مناطق الجنوب، إلا أنها سمحت بتكوين سهل ساحلي برزت عليه سلسلة من الموانىء النشطة على امتداد تلك السواحل. كما أن لكل ميناء من تلك الموانىء العمانية محيطه الحيوي وحيزه الجغرافي وظهيره القاري.

كما أن المحيط الهندي كان له منفذان لحمل تجارته وسلعه عبر العصور التاريخية، وهما: الذراع الأيمن ويتمثل ذلك في الخليج العربي، ثم المنفذ الأيسر وهو البحر الأحمر. وبسبب عوامل طبيعية وحضارية لم يتمكن البحر الأحمر من احتلال مركز الصدارة في حمل تجارة المحيط الهندي إلى مدنيات البحر المتوسط، واستمر الخليج العربي يقوم بالدور الهام والأساسي في تجارة المحيط الهندي، ولأسباب جغرافية وبشرية ظلت الحركة التجارية مرتبطة بالساحل العربي وهو الساحل الغربي، وكانت السواحل العمانية تشكل جانباً هاماً على تلك السواحل. (12).

وإذا اتجهنا إلى العلاقة التجارية بين عمان وجنوب الجزيرة العربية وشرقي إفريقيا فإن هذه العلاقة الوطيدة تشكل مرحلة هامة من مراحل تاريخ عمان الوسيط والحديث، فقد ارتبط العمانيون ما قبل الإسلام بشرق أفريقيا تجارياً، وقد توثقت هذه العلاقة باطراد «بحكم التبادل التجاري الذي ترتب عليه قيام مراكز ساحلية أسسها العمانيون لخدمة الأغراض التجارية، وعن هذه الفترة المبكرة في تاريخ العلاقات العمانية / الأفريقية يؤكد مؤلف الدليل الملاحي للبحر الارتيري PERIPLUS MARIS ERYTHRAEI، كثرة تردد السفن العربية القادمة من أقطار الخليج العربي ومن بينها عمان على الساحل الشرقي لأفريقيا، كما يتحدث عن اختلاط العرب وتزاوجهم من القبائل الإفريقية. وعلى مدى التاريخ الطويل نظر أبناء تلك المنطقة من شرق أفريقيا إلى عمان على أنها الدولة الأم بطبيعة الحال. ولقد ساعدت الظروف المناخية السائدة بالمحيط الهندي على نشاط الملاحة بين شرق أفريقيا وعمان كما سبق أن ذكرنا، فكثيراً ما دفعت الرياح الموسمية الشمالية في فترات هبوبها على منطقة الخليج في فصل الشتاء العمانية من سواحل عمان إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، كذلك كانت الرياح الموسمية الجنوبية الغربية تدفع نفس تلك السفن في طريق عودتها عبر مياه المحيط الهندي إلى عمان في فصل الصيف.

ولم يتوغل العمانيون كثيراً قبل ظهور الإسلام داخل أفريقيا فقد اكتفوا بالاستقرار على سواحلها الشرقية، وإقامة مراكز تجارية بها، وعملوا على مقايضة الأفارقة فكانوا يحملون إليهم منتجات الهند والصين في مقابل العاج والذهب». (13)

وبسبب التجارة العمانية النشطة مع شرق أفريقيا أصبح هناك اهتمام خاص من جانب العمانيين بشرق أفريقيا حيث استقر العديد من العمانيين في بعض المدن في شرق أفريقيا، لأسباب سياسية واقتصادية وجغرافية في عمان ويسجل مطلع القرن السابع أيضاً كما تذكر بعض المصادر هجرة عمانية إلى الساحل الشرقي لأفريقيا وتواصلها مع عمان، (14).

ولا شك أن هناك الكثير من الصلات والعلاقات التجارية والاجتماعية، أسهمت في توطيد هذه العلاقة التجارية الكبيرة، مما جعل البعض من الباحثين يربط بين الصلة التجارية وبين تأثير العمانيين الحضاري في شرق أفريقيا، لأن العملية التجارية كما يرون هي في حد ذاتها وسيلة احتكاك حضاري بالغير على الرغم من اختلاف الجنس والدين والمعتقد والمذهب، وهي أيضا عملية حضارية فيها الكثير من علائم التأثير والتأثر، وهو الأسلوب الذي مارسه البحار العماني والتاجر العماني في الدائرة الجغرافية التي تاجر معها أو أبحر إليها .. وبما أن التجارة هي في حد ذاتها معاملات حسابية محددة ومقننة، فهي في الوقت نفسه أسلوب ممتاز لإقامة صلات حضارية قائمة على أساس الأخلاق والمبادئ، وهو ما مارسه العمانيون أثناء عملياتهم التجارية والبحرية على طول تاريخهم الممتد، وقد أكسبهم هذا خبرة من جراء احتكاكهم بغيرهم.

وعلى الرغم من وجود هجرات عربية محدودة إلى مناطق شرقي إفريقيا والمناطق الإفريقية الداخلية المتاخمة للساحل في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام إلا أن جذور الهجرات السكانية العمانية إلى تلك المنطقة كانت بعد ظهور الإسلام، بخاصة في فترة حكم الدولة الأموية وما انتابها من منازعات .. وقد تتابعت الهجرات السكانية العمانية في حقب تاريخية مختلفة .. وكان جل نشاطها الاقتصادي يرتكز على التجارة لأن العمانيين أحبوا البحر وركوبه، وأحبوا العمل بالتجارة .. وقد تركز هذا الجهد بشكل واضح في العصر الحديث. (15)

وهذه الخلفية التجارية للعمانيين والتراكم المعرفي في أنشطة التجارة والعوامل الأخرى التي ساهمت في هذه

٢٢٦ / ٣٥٢