العدد 73 الثورة الجزائرية في الوجدان المصري لشعبان يوسف
الجزء ٢٤ · صفحة ٢ترجمة العمل الواحد أكثر من ترجمة، مثلما حدث مثلا مع محمد ديب الذي ترجم له المترجم والشاعر المصري محمد البخاري مجموعته القصصية «في المقهي» عام 1959، وصدرت عن سلسلة «كتب ثقافية» بالقاهرة، وأعيد ترجمة المجوعة نفسها في بيروت، وقام بترجمتها أحمد غرايبة عام 1964، وصدرت عن مؤسسة المعارف اللبنانية، كذلك حدث مع ثلاثيته، وقام بترجمتها الكاتب والدبلوماسي السوري سامي الدروبي، وكذلك قام بترجمتها الكاتب بهيج شعبان، هذا يدل على أن هناك حركة تعريف واسعة حدث في الشرق العربي عبر النقد والترجمة والصحافة، ولا نستطيع بالطبع في هذه الصفحات القليلة أن نلم بكل ذلك، لكنني سأحاول الإشارة إلى أبرز تلك المتابعات التي كتبت في مصر، وقام بها كتاب فاعلون، وعلى خطي طه حسين، وكانت أبرز هذه المحاولات سلسلة دراسات كتبها المفكر الذي رحل منذ شهور الدكتور أنور عبدالملك، وكانت هذه الدراسات في مجلة المجلة، والتي كان يرأس تحريرها في ذلك الوقت الدكتور محمد عوض محمد، ففي العدد الثامن الصادر في أغسطس عام 1957، كتب عبدالملك تحت عنوان «أضواء على الأدب الجزائري» قائلا: (في الجزائر اليوم، وفي قلب المعركة التحريرية الكبرى، نهضة أدبيةتلعب دورا هاما في الحركة الوطنية الجزائرية، وفي إثارة الرأي العام العالمي ووعيه لفهم حقيقة هذا الشعب الشقيق الباسل الذي يابى إلا أن يحيا حياة مستقلة، إن معالم الأدب الجزائري المعاصر تحجبها عنا أنباء الدماء من ناحية، ودعاية الاستعمار المغرضة من ناحية أخرى، ولابد لنا، أن نبرز ما للأدب الجزائري المعاصر من خصائص مميزة تكاد تكون مزيدة في مجال الآداب المعاصرة)، ويستطرد عبدالملك قائلا: (ذلك أن السياسة الفرنسية الاستعمارية التي كانت _ولا تزال_ تعمل على إدماج الجزائر في فرنسا، وكأن الجزائر لا تعدو أن تكون ثلاث مقاطعات من مقاطعات فرنسا) ويستمر عبدالملك في طرح القضية الجزائرية بشكل موسع، وكما هو معروف، ولا يوجد مجال لاستعادته هنا، حيث أن ذلك صار من الكلاسيكيات السياسية، ولكن الملفت للنظر أن عبد الملك كتب ذلك مبكرا، وربطه بالقضية الثقافية والأدبية، ومحاولات التعبير عنه في الشعر والقصة والرواية، وكانت أولى تطبيقاته على الكاتب الكبير محمد ديب، هذا الكاتب الذي مساحة من التعريف والنقد واسعة جدا في مصر، وبعد أن كتب عبدالملك تمهيدا طويلا عن الأدب الجزائري، وارتباطه الجدلي بالقضية الوطنية، قال عن محمد ديب: (إنه شاعر أولا وقبل كل شئ فهو لا يرى الواقع كما هو، ولايصفه في ركوده، وإنما نراه دائما يتلمس الجوانب الوجدانية في هذا الواقع ليصوره لنا تصويرا حيا متأججا، ينفذ إلي قلوبنا، ويهز كيان القارئ، وهو كاتب واقعي بالمعني الدقيق، إنه لا يحلق بخياله في الفضاء، ولكنه يقف وقفة راسخة على أرض الجزائر، بين الفلاحين وأهله وعشيرته، يتحدث حديثهم، ويستنشق هواءهم، ويتألم آلامهم، ويكتب لهم وعنهم)، ويأخذ عبدالملك القارئ في رحلة مشوقة، غزيرة بالمعاومات، وعميقة وناصعة في التحليل، ثم يتناول في الأعداد اللاحقة أعمال مولود معمري ومولود فرعون، وأنا هنا لا أرى أن هذه الدراسات المجهولة تأخذ أهميتها من حيث ريادتها في الثقافة المصرية فحسب، ولا من زاوية أهميتها التاريخية، ولكن العمق الذي تناول به عبدالملك نصوص الكتاب الجزائريين، كان ملفتا للنظر، والزاوية الثانية، هي الأهمية التي صار يشغلها عبد الملك نفسه في الساحة الفكرية العالمية، ومن هنا أشدد على جمع هذه المقالات وإعادة نشرها للأبعاد المتعددة التي تمثلها هذه الدراسات في مجال النقد والتحليل للأدب الجزائري في بواكير نهضته.
وأظن أن قوة الدفع التي بدأت تغزو الحالة الثقافية العربية، واهتمامها بالأدب الجزائري عموما، المكتوب بالفرنسية والعربية على حد سواء، وإن كان الأدب المكتوب بالعربية كان مازال قليلا، ولكننا صرنا نرى اهتماما كبيرا راح يفرض نفسه على الصحف والمجلات المصرية، خاصة المجلات والصحف التي تنحاز بقوة للأدب والفكر الطليعي عموما، وسنلاحظ أن مجلة الرسالة الجديدة، وهي المجلة الثقافية التي كانت تصدرها الدولة الفتية آنذاك، وكان يرأس تحريرها الكاتب يوسف السباعي، اتخذت المجلة في الصادر في مايو 1958 محمد ديب شخصية العدد، تحت عنوان خبر وصورة، هذه الصورة - الببوتريه، جاءت مصحوبة بتعريف فخم ورصين، وبعد معلومات عن الكاتب يقول الخبر: (الفنان الجزائري الذي تعذب طويلا بمأساة كتابة أعماله ونشرها باللغة الفرنسية، سوف تحقق أخيرا له ثورة الجزائر حلما عاش يحلم به وتصدر له قريبا في المنطقة المحررة من الجزائر وباللغة العربية مجموعة قصصية «في المقهي».
ولأن الباب صار مفتوحا، واشتد عود الثورة الجزائرية، وكذلك اشتد الحقد الاستعماري المتمثل في السحق والمحو والإلغاء، وكان حوار الرصاص بين الأطراف المتعادية كثيفا، وعلى التوازي كانت المؤازرات الثقافية والأدبية والفكرية جنبا إلى جنب مع المؤازرات السياسية، ففي ديسمبر 1958 صدر كتاب عن سلسلة إقرأ التي أسسها الدكتور طه حسين في الأربعينيات، عنوانه «أدباء من الجزائر»، من تأليف الدكتور ابراهيم الكيلاني، تناول فيه الأدب الجزائري بالتعريف والنقد والتحليل، وقدم قراءات في أعمال محمد ديب ومولود فرعون وكاتب ياسين ومولود معمري، وجاءت هذه القراءات لتضيف بشكل كيفي إلي ماقدمه النقاد والكتاب الذين خاضوا في هذا الحقل، مع العلم أن حركة الترجمة لم تكن بالقوة التي كانت سائدة في النقد والتعريف والتحليل، لكن كل هؤلاء كانوا يكتبون عن الأعمال الادبية لهؤلاء الكتاب في اللغة الفرنسية، وقدم الكاتب كتابه