العدد 73 الثورة الجزائرية في الوجدان المصري لشعبان يوسف
الجزء ٢٤ · صفحة ٣بمقتطفات معبرة من كتاب جزائريين، وكانت هذه المقتطفات تدل على أن هؤلاء الكتاب ينطلقون من منطلق يؤكد على الهوية القومية من ناحية، وعلى البعد الإنساني من ناحية أخرى، فنجد الاقتباس الذي يخص مولود فرعون يقول: (إن المهم عندي أن نجد آثار كتاب أفريقيا الشمالية أناسا من لحم ودم يشبهون الذين أراهم حولي)، ويقول محمد ديب: (يخيل إلي أن أدبا قوميا بكل ما في هذه الكلمة من معنى واسع وسخي في طور التكوين، وهذا ينطبق بنوع خاص على الجزائر)، وفي اقتباس ثالث يقول عامر جديرة: (الأدب مرجع ثابت، وكتاب جماعي يحوي صورا وعواطف وارتكازات، وباختصار هو انعكاس لروح الأمة)، كلنت هذه الكلمات مدخلا مناسبا لقراءة الأدباء الذين تناولهم الكاتب، وبالتالي كان تركيز الكاتب على التعرف على الملامح الاساسية التي تربط بين النصوص التي تناولها، وبين الوجوه المتعددة للقضية الجزائرية، هذه القضية التي صارت الإنشغال الأعظم لكافة الشعوب المحيطة بالجزائر، ولم تصر الثورة الجزائرية قضية محلية فقط، بل صارت قضية إقليمية وعربية ودولية وإسلامية واجتماعية، إنها قضية تخص الضمير العالمي بشكل شامل، لأن الذي كان يحدث كان مهولا، في الوقت الذي كانت فرنسا الدولة المستعمرة تزعم أنها بلاد النور والحرية، وللأسف كان هناك من يناصرها، وكانت تجد من عملاء محليين بعض المؤازرات الظالمة والمجحفة، ومنعدمة الضمير، وبالتأكيد كان الأدب في تلك اللحظة أداة وسلاحا ماضيين، للتعريف بالقضية الجزائرية، وكذلك بالهوية الجزائرية الحقيقية، والتي كان الاستعمار يعمل على طمس ملامحها طوال الوقت، ومن هنا كان من ضرورات النقاد الأحرار العرب أن يعملوا بكامل قواهم لمناصرة هذه القضية التي تخص _كما أسلفنا_ الضمير الانساني عموما، ولأن هؤلاء الأدباء كانوا على وعي كبير بقضيتهم، استطاعوا أن يقدموا أدبا راقيا، ينافس الأدب الفرنسي ذاته، للدرجة التي كان بعض هؤلاء الكتاب يحصلون على جوائز في فرنسا، أمام روايات كتبها فرنسيون، مثلما حدث مع مولود فرعون في روايته «ابن الفقير»، وتفوق الكتاب الجزائريين بشكل واسع على الكتاب الفرنسيين في التعريف بأدبهم على المستوي العالمي، فحازت هذه الكتابات تقديرا عاليا من كتاب ونقاد على مستوى العالم، ودون أن نسترسل فيما قدمه هذا الكتاب الصغير، نقتبس فقرة من المقدمة تجمل النظرة العامة التي انطلق منها الكاتب، إذ يقول: (الأدب الجزائري أدب مستقل، ذو خصائص ذاتية مستمدة من البيئة التي يعيش فيها الشعب الجزائري، فهو أدب قومي وإن شارك الجزائريين فيه كتاب فرنسيون وأجانب ولدوا وعاشوا في إفريقية الشمالية، لأن أدب هؤلاء تجاوز في تصوراته وموضوعاته المحيط الإفريقي إلى آفاق تتصل بالادب الأوروبي والروح الاممية أكثر منه بالأدب العربي والروح العربية، فهو أدب مصنوع، مجلوب غريب، في حين أن الأدب الجزائري الذي يكتبه كتاب جزائريون هو أدب واقعي، فيه انعكاس لروح الامة الجزائرية في عواطفها وارتكاسها تجاه الوجود، وأمانيها وأساطيرها وتقاليدها، فالأدبان منفصلان متميزان يصدران عن عالمين منفصلين متميزين: اللاتيني والعربي).
وحتى نستكمل بعض أجزاء الصورة التي رسمها المصريون، أريد أن أقول: إن مجموعة القصص التي صدرت في القاهرة عام 1959، وهي «في المقهي» لمحمد ديب، نالت اهتماما واسعا، وانعقدت لها ندوة في إذاعة «البرنامج الثاني» الذي تحول اسمه الآن إلى «البرنامج الثقافي» وشارك في هذه الندوة لفيف من الكتاب والنقاد المرموقين، وهم يحيى حقي، والدكتور شكري عياد، والناقد عبدالمحسن طه بدر، والأديب عبدالرحمن فهمي، وقدمت الندوة الإذاعية الكبيرة سميرة الكيلاني، ولم يكتف يحيى حقي بالمشاركة في الندوة، بل أنه كتب مقالا نقديا طويلا، نشره في العدد الخامس من مجلة «المجلة» في نوفمبر 1959، وكان قد ترأس تحريرها الناقد الدكتور على الراعي، ثم أعاد نشره فيما بعد في أهم كتبه النقدية «خطوات في النقد»، وفيه يقف أمام قصص المجموعة السبع، محللا لها، وقارئا لتفاصيلها، ويقول في مستهل دراسته: (هذه المجموعة الصغيرة لها قدرة عجيبة على أن تأسرك في قبضتها من أول مصافحة وهذه الميزة هي سمة الأعمال الفنية الباقية التي يرفع جذبها قدميك عن أرضك، تنزعك من نفسك، وتلقي بك في عالم غير عالمك، تخلفه لك ثم تتلاشي صور مخصصة بأقوام وزمان ومكان، وعالم مسحور تختلط فيه الحواس، ويتعطل النطق، وتشل الإرادة، ويسرح العقل مفلوت القياد)، ويعترف يحيى حقي أنه راح يتعرف على الجزائر من خلال هذه القصص القصيرة البديعة، هذه القصص التي تشع بكل ماهو جزائري، ويثني على هذا النوع من الكتابة التي لا تعاني من أي إسهاب أو استطراد لا لزوم له، فاستطاع الكاتب بفضل لمحات مندسة تمر بك كأنها عابرة غير مقصودة، وبفضل تخصيص الأشياء بذكر أسماء أنواعها الجزائرية أن يجعلك تشم من بلاده رائحة أرضها وأشجارها ورياحها ومقاهيها وسجونها وعطر حقولها وخبث زرائبها بقمامتها وروثها وتسمع زقزقة عصافيرها ونبح كلابها، وتقابل الفلاح والعامل المشتغل والمتعطل والشحاذ والمهاجر العائد من باريس والمجاهد الثائر يموت شهيدا والعربي الذي يفخر أنه يتكلم الفرنسية خيرا من أهلها والموظف الاستعماري والمتوطن المسعور، وهكذا يسترسل يحيى حقي في سرد وشرح خصائص الكتابة عند محمد ديب في هذه المجموعة، ويتدرج في قراءته من البسيط إلي المركب، ليقدم لنا وصفا وتحليلا عميقين لكاتب من أنبل من أنجبتهم الأمة الجزائرية.