العدد 73 الثورة الجزائرية في الوجدان المصري لشعبان يوسف
الجزء ٢٤ · صفحة ٥والذين ظلوا مقاومين حتي النصر، وحكي في هذا الكتاب قصص البطولة التي أبدعها أناس عاديون، وأناس دخلوا المعركة بالصدفة، ولكنهم بذلوا أرواحهم نظير أن تحيا وتعيش الجزائر، ولن أتحدث عن فيلم «جميلة» الذي أنتجته الفنانة ماجدة الصباحي، وأخرجه يوسف شاهين، لأنه أشهر من أن تقدمه كلمات أو سطور قليلة، ولكنني أريد أن أشير إلى أن هذا الفيلم معلما للوطنية، ومن الكلاسيكيات التي ننهل منها كل معاني الاستبسال من أجل الوطن، وكانت المناضلة جميلة بوحريد رمزا أسطوريا بالنسبة للمصريين، فعدا هذا الفيلم، كتب عبدالرحمن الشرقاوي مسرحيته الشعرية الطويلة «مأساة جميلة» واستطاع من خلالها أن يشرح القضية الجزائرية وآمالها الكبرى، وعن جميلة أيضا كتب شعراء كثيرون، وعلى رأسهم أحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح جاهين وفؤاد حداد وحسن فتح الباب ومحمد الجيار، ولصلاح عبدالصبور قصيدة عنوانها «جميلة علم وهران»، ولكن هذه القصيدة لم يدركها أي ديوان من دواوين صلاح عبدالصبور، وظلت مجهولة حتي الآن، وفي تلك اللحظة، أي عام 1958، وكانت جميلة تتعرض لأبشع أنواع التعذيب، صدر بيان في القاهرة تحت شعار «لا بد أن تعيش جميلة»، يدين الاستعمار الفرنسي إدانة مطلقة، وقد وقع على هذا البيان معظم الكتاب والمثقفين والفنانين المصريين الكبار مثل احسان عبدالقدوس واحمد رشدي صالح وكامل زهيري والفريد فرج وفاتن حمامة وعمر الشريف وعلى الراعي وعبدالرحمن الخميسي وكامل الشناوي، وغيرهم، وكانت الصحف المصرية تكتب بتواتر أعلى في هذه المرحلة، أكثر بكثير من أي مرحلة أخري، ولم تتوقف مساندة القضية الجزائرية من قبل المثقفين والكتاب المصريين في أي لحظة من نضالها، باعتبارها قضية مصيرية، تتحدد من خلالها آنذاك مصائر حركة الشعوب المقاومة للاستعمار في كل مكان، وحتي بعد الاستقلال كانت المتابعات من اتجاهات كثيرة، وكانت مجلة الهلال تنشر دراسات ومقالات بغزارة، وكان الكاتب الراحل كامل زهيري، أحد الذين ساهموا بشكل كبير في إثراء الكتابة عن الجزائر، وكانت دراسات للمناضل والمفكر فرانز فانون تترجم وتنشر في المجلة، وكان كذلك الكاتب أحمد بهاء الدين يساهم بشكل ملحوظ في الكتابة عن قضية الجزائر، وظلت المجلة تنشر مساهمات عديدة تخص ملف الجزائر، وفي العدد الصادر في يناير 1967نشرت المجلة حوارا شاملا مع الأديب مولود معمري، وكان مولود يزور القاهرة ليحضر اجتماعات اللجنة التحضيرية لمؤتمر الكتاب الأفريقي الآسيوي، وقد أجرت الكاتبة الصحفية هذا الحوار معه، وفي العدد ذاته نشرت المجلة عرضا وافيا لمسرحية «أبو دخان» للاديب الكبير كاتب ياسين، قدمته الكاتبة صوفي عبدالله، وكذلك نشرت في العام نفسه ثلاث مسرحيات لكاتب ياسين في مجلد واحد، صدر عن المؤسسة الرسمية وهي «دار الكاتب العربي للطباعة والنشر» والمسرحيات هي (الاسلاف يضاعفون ضراوتهم، ومسحوق الذكاء، والجثة المطوقة) وقام بترجمة النصوص هيدي بانوب والدكتور حمادة ابراهيم، الذي كتب مقدمة شاملة عن الكاتب ونصوصه، وموقعه في خارطة المسرح الجزائري والعربي والعالمي، وربط هذه النصوص بشكل أساسي بقدرتها التعبيرية والفنية عن الواقع الجزائري، رغم اللغة الفرنسية التي كتبت بها هذه النصوص، واصلا بين خيط اللغة من ناحية، وخيط المناخ الذي انطلقت منه، وتأثرت به هذه النصوص الطليعية، وبعد فالمجال يضيق فعلا عن الإلمام برصد كافة اشكال التفاعل المتعددة بين الشعبين المصري والجزائري، عبر وسائط متعددة، منها السلطة المصرية بقيادة جمال عبدالناصر في ذلك الوقت، تحت مظلات كذلك متعددة، وعلى رأسها مظلة العروبة، أي كانت التحفظات على الشكل العام الذي كان مطروحا في ذلك الوقت، والذي أبدع ثمارا مشتركا نفتقدها في هذا الزمان الذي نعيش فيه، وكذلك كانت مظلة الأفرقة، وهذا وذاك كانا يتلمسان طريقهما نحو مقاومة كافة أشكال الاستعمار التي كانت ومازالت متفشية حتي الآن، ولم تستطع شعوبنا اقتلاعها بشكل حاسم ونهائي،
شعبان يوسف
كاتب وصحفي من مصر