العدد 73 الثورة الجزائرية في الوجدان المصري لشعبان يوسف
الجزء ٢٤ · صفحة ٤وهناك كاتب آخر لم يأخذ حقه من التعريف والنقد بشكل كاف، ولم تتركز عليه الأضواء كما تركزت على آخرين، وربما يستطيع البعض أن يقدم تفسيرا لذلك، هذا الكاتب هو عبدالله الركيبي، وقد أصدر مجموعته القصصية الأولى «نقوش ثائرة» في القاهرة، أثناء إقامته هناك من 1960 حتى 1964، وقد أهدي الكاتب مجموعته إلى «روح صديقي البشير بن رابح، الذي استشهد من أجل الجزائر الحرة» وكان الكاتب قد شارك في جبهة التحرير كمناضل ومسؤول وجندي في جيش التحرير الوطني الجزائري، واعتقلته السلطات الفرنسية بمعتقل «آفاو» احد عشر شهرا، ثم أرغم على الإقامة الجبرية ببسكرة والتي فر منها حيث التحق بجبال الأوراس، وهاجر إلي تونس، ثم جاء إلي القاهرة والتحق بكلية الآداب، وكان رئيسا لاتحاد طلاب الجزائر بالقاهرة.
وعندما أصدر مجموعته الأولى عام 1962 قدم لها الدكتور شكري محمد عياد بدراسة ممتازة، وأكد عياد كما كان يؤكد على ذلك غالبية النقاد، أن الأدب الجزائري، والثورة الجزائرية شقيقان وتوأمان، ليس لأنهما برزا معا في أفق النهضة العربية والآمال الانسانية الكريمة، بل كليهما تعبير عن روح الشعب الجزائري الباسل الصامد في معركة الكرامة الانسانية والحرية الانسانية، فالأدب الجزائري أدب ثوري بكل معاني الكلمة، ادب يعيش الثورة، ولا يتحدث عنها أو يدعو لها فحسب، ويقدم عياد رؤية ناصعة لارتباط الأدب الجزائري بالنضال الباسل، والحركة الوطنية الجزائرية، ثم يربط قصص المجموعة بهذا المفهوم الذي قدمه، واقفا أمام قصص المجموعة قصة تلو قصة، وإن كان اعتبر هذه المجموعة من البواكير التي ينتظر من كاتبها الكثير في المستقبل القريب.
ولا تنقطع حركة التعريف والترجمة والنقد، ولا تتوقف الصحف عن المتابعة الدؤوبة والنشيطة للجزائر، والثقافة الجزائرية، والكتاب الجزائريين، وكانت جريدتا «المساء» و «الجمهورية» من أكثر الجرائد حماسا وتقديرا، ومنذ عام 1956 حتي عام 1964، لم تخل صفحات هاتين الجريدتين من أخبار ومقالات عن الوضع الجزائري، وبورتريهات عن أبطال الجزائر، وعن الشهداء، وأعتقد أن ارشيف الصحافة المصرية متخم بمادة جزائرية رهيبة بالحالة الجزائرية، وكانت مانشيتات هاتين الجريدتين مخصصة لمتابعة الحالة الجزائرية، ويكفي أن أول ترجمة لكتاب «يوميات معركة الجزائر» لمولود فرعون، حدثت في القاهرة، ونشرت مسلسلة بشكل أسبوعي في جريدة المساء، وكان ذلك بعد صدورها باللغة الفرنسية مباشرة، ولم يحظ كاتب عربي بهذه الميزة سوى مولود فرعون، وحتى لم ينل هذا الحظ كتاب مصريون، إلا من طراز نجيب محفوظ ويوسف ادريس، ومن شابههم، وكتب المترجم عبدالعاطي جلال مقدمة تعريفية بالكاتب والكتاب، ملخصا في فصل أحداث مانشر في العدد السابق، وكانت مقدمة دالة وذكية وحميمية، ونشرت الطبعة الأولى في كتاب عام 1970 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بعد أن تعرف علىها المصريون بشكل واسع، إذ كانت تنشر على صفحة كاملة مصحوبة برسوم لأحد الفنانين الكبار وموحية للأحداث التي كانت تحكي عنها اليوميات، وعدا ذلك كانت القاهرة تنشر بشكل دوري كتبا سياسية عن الثورة الجزائرية، تشرح وتحلل الأوضاع والتعقيدات التي كانت تمر بها الجزائر، وكان كتاب «ثورة الجزائر» لعلي الشلقامي، والصادر عن دار النديم عام 1957، وقدم له علال الفاسي، وفيه يشرح الكاتب البواعث الاقتصادية التي قام على أساسها استعمار الجزائر، وبعد ذلك صدرت كتب كثيرة، تتابع الأوضاع في الجزائر، كما صدر كتاب «الجزائر المنتصرة» للكاتب الطليعي محمود عبد المنعم مرتضى، وزادت وتيرة نشر الكتب الساسية عن الجزائر، وهناك كتاب لافت للنظر كتبه الناقد الأدبي والعروبي رجاء النقاش عن الزعيم بن بيلا، وصدر عن دار الآداب، ولم تصدر له طبعة ثانية، وكتب يوسف ادريس أشياء كثيرة عن الجزائر، ويوسف ادريس يعتبر أن قضية الجزائر قضية عربية يراد اختصارها في دولة، لذلك كتب يقول: (لقد تعودنا أن نبدأ حديثنا عن الجزائر بالحديث عن قادتها وعن أزماتهم، حتى تكاد الجزائر تصبح في نظرنا أعضاء المكتب السياسي أو أعضاء الحكومة المؤقتة، ولكن الجزائر ليست هذا في الواقع، إنها أكبر وأغنى وأكثر بلادنا العربية فتوة وحماسا وشبابا) وكان ادريس يكتب هذا الكلام في ظل السلطة الناصرية، التي تعتبر أن القضية الجزائرية هي قضية مصرية وعربية، وهذا ما حاول أن يكتبه ادريس في كتاباته العديدة، مقدرا التغيير الهائل الذي حدث للجزائر بعد الاستقلال، وإن استفضنا في الكتابة عن العلاقة التي حدثت بين الشعبين ومثقفيها وساستها، سيحتاج الأمر إلى مجلد ضخم، لغزارة وتنوع المادة، فقط أريد أن أشير إلى بضعة كتابات إشارة سريعة، حيث أن القاهرة كانت ترسل بعض كتابها وفنانيها وشعرائها ليروا على الطبيعة مايحدث في الجزائر، وضمن من ذهبوا كان الشاعر العربي والمصري الكبير أحمد. عبدالمعطي حجازي ..
وكتب ديوانه الثاني «اوراس»، وكذلك ذهب الفنان الكبير أحمد طوغان، وصعد إلي جبال الأوراس، وحمل السلاح مع المقاتلين، وخاض معارك ضارية معهم، وفي حمايتهم، وعندما عاد كتب كتابا رائعا، وشهادة من أرق وأجمل الشهادات، تحت عنوان «أيام المجد في وهران، وسجل بريشته أبطال المعارك الذين استشدوا،