العدد ... الآراء العقدية عند الإباضية الأوائل من خلال سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان للحسني غابري
الجزء ٢٥ · صفحة ٢لنا ولكنّه أحدث وارتدّ وكفر بعد إسلامه فنبرأ إلى الله منهم» (5). ومن هذا المنطلق يمكن فهم رفض الإباضية تسميتهم بالخوارج.
وممّا تجدر الإشارة إليه في بداية هذا العمل تنوّع مصادر الآراء العقدية عند الإباضية وخاصّة في القرون الثلاثة الأولى حيث نجدها في مختلف كتب الفكر الإسلامي العقدية منها والفقهية والتّاريخيّة. ولذلك فإنّ البحث في الآراء العقدية خلال الفترة المذكورة التي تمثل فترة التأسيس في هذه الفرقة يستوجب الرجوع إلى مصادر العقيدة والتفسير والفقه والتّاريخ والسير والمراسلات. وضمن هذه المصادر تحتلّ الرّسائل والسّير موقعا مهمّا، وهي رسائل بين الأئمّة والعلماء وسير ترد فيها معلومات تاريخية وتناقش فيها القضايا المستجدّة ومنها سيرة محبوب بن الرّحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان موضوع هذا العمل. ومحبوب بن الرّحيل هو أحد أئمة العلم في عمان في القرن 2 هـ/8م وتحديدا في النّصف الثّاني منه، عرف بكنيته الشّائعة بأبي سفيان. وقد اشتهر هو وأبناؤه وأحفاده بالفضل والعلم. ويشير صاحب كتاب «تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان» إلى أنّ الإطار التّاريخي لهذه السيرة هو زمن مبايعة الإمام غسّان بن عبد الله اليحمدي (192هـ-208هـ) الذي «كان في أيّامه جمّة من العلماء واختلف في تلك الأيّام هارون بن اليمان الشعبي ومحبوب بن الرّحيل» (6) الذي يردّ عليه في هذه السيرة حول «صفة التّقوى والشّكّ في حكم العاصي وعدم البراءة إلاّ في معصية توجب الحدّ في الدنيا أو الآخرة. وهارون ممّن يذهب مذهب الثلاثة الذين خالفوا أبا عبيدة في حياته وبعد موته في عهد الربيع حول المسائل الثلاث التي وقع حولها النقاش والرّدود» (7). وأمّا الثلاثة المتحدث عنهم فهم شعيب بن المعرّف وأبو المؤرج السدوسي وعبد الله بن عبد العزيز وهم من تلاميذ أبي عبيدة مسلم الذين لم تقتصر مخالفاتهم للسابقين على هذه المسائل بل طالت مسائل أخرى مثل «عدم صلاة الجمعة وراء أئمّة الجور وعدم تكفير المرأة التي زنت فيما دون الفرج وتشريك المخالفين لهم من أهل القبلة في مسألة صفات الله» (8). وإن كانت السيرة ردّا على ثلاث مسائل مذكورة سابقا، فإنّ استنطاقها يكشف أنّها لم تقتصر عليها من الآراء العقدية بل تجاوزتها إلى مسائل كثيرة عمد فيها صاحبها إلى ذكر الرأي المخالف في كلّ مسألة أوّلا عارضا بعد ذلك موقفه مبرّرا إياه بالحجج والبراهين الممكنة متوسّلا بما وسعه من القرآن والسنّة وآثار الأوّلين من أئمّة الإباضية مؤكدا في كلّ مناسبة على انسجامه واستجابته لآراء السلف وبالتّالي لجوهر الشريعة بعيدا عن كلّ بدعة وضلالة. ويمكن ضبط أهمّ محاور هذه السيرة في ثلاثة أقسام كبرى هي: الإلهيات والرساليات والإنسانيات تفرّع كلّ منها إلى قضايا جزئية كانت في قسم الإلهيات مجسّدة في المتشابه ثمّ التّوحيد بينما احتوى قسم الرساليات على قضيّتي النبوّة وصلاة الجمعة في حين تفرّع قسم الإنسانيات الذي كان الأكثر حظّا إلى قضايا: الإيمان والكفر، الشّرك والنّفاق، الذّنوب والتّوبة، الولاية والبراءة والوقوف.
ضمن قسم الإلهيات يأتي حديث محبوب بن الرّحيل عن المتشابه ردّا على اتّهامه من قبل هارون بن اليمان بأنّه يعتبر المتأوّل في النبي صلى الله عليه وسلّم مشركا بينما المتأوّل في الله ليس بمشرك (9). ولتوضيح موقفه من هذه المسألة عرض صاحب السّيرة نوعين من التّأويل أوّلهما الصادر عن المقرّ بوجود الله وبوحدانيّته الذي يتّجه إلى القرآن الكريم فيجد فيه آيات من قبيل «وجاء ربّك والملك صفّا صفّا» (10) وو «قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها» (11) فذهب إلى تأويل ذلك على غير تأويل المسلمين «غير أنّه مقرّ لا شبيه له ولا نظير ولا عدل ولا ندّ وضدّ ينفي عنه هذه الأشياء فهو مقرّ عندنا حُكمنا فيه حكم المقرّين» (12). أمّا النّوع الثّاني من التّأويل فهو الذي ينقله قوله التّالي ويعرب فيه عن موقفه منه وهو لـ «من قال إنّ له شبيها أو مثلا أو نظيرا فهو بهذا مشرك» (13). وهكذا فإنّ التأويل عند الرجل صنفان الفاصل بينهما الإقرار بوحدانية الله و «تنزيهه عن متشابه الخلق استنادا إلى الآيات المحكمات من كتاب الله» (14). لذلك فهو يوضّح هذا الموقف في رأي نعتبره فصلا وهو «من تأوّل في الله بما يعلم أنّه جاحد لله أو منكر له أو مكذّب له فهو مشرك ومن تأوّل فلم يبلغ به تأويله جحود ولا إنكار ولا تكذيب لله ولا ملائكته ولا كتبه ولا اليوم الآخر شهدنا عليه بالكفر والضّلال والنّفاق وحكمنا عليه بأحكام أهل قبلتنا كما يحكم فيهم المسلمون قبلنا لا نسمّيهم مشركين ولا نستحلّ منهم سبيا ولا غنيمة» (15). ويستند صاحب السيرة في ذلك إلى رأي السّلف من العلماء والأئمّة من ذلك الحادثة التي قيل فيها لأبي عبيدة وهو من علماء الإباضية المتقدمين أنّ مقاتل بن سليمان الأزدي المتوفّى سنة 150هـ/767م يقول إنّ الله خلق آدم على صورته فقال «كذب مقاتل ولم يسمه بالشّرك ولا نسبه إليه» (16). فخلاصة رأي محبوب بن الرّحيل إذا أنّ المشبّهة كما يرى أئمّة الإباضية عموما لا سيّما المتقدّمين منهم الذين أخذ عنهم آراءه وقال بقولهم نوعان نوع ينسب إلى الشّرك ويتفرّع إلى فرعين هما المجسّمة وأشباه المجسّمة، أمّا القسم الثّاني فهم المشبّهة وهم المخطئون في التّأويل الذين لم يحكم عليهم علماء هذه الفرقة بالشّرك ولا بالرّدة و إن اختلفوا معهم. أمّا عن التّوحيد فقد ورد الحديث عنه في مواطن مختلفة من هذه السّيرة لاسيّما ضمن المجالات المعنية بصفات الإنسان المختلفة ونعني الإيمان والكفر وخاصة الشّرك باعتبار أنّ التّوحيد هو مفتاح الإيمان لذلك فإنّ الإباضية يسمونه بـ «جملة التوحيد» «نظرا لتعبيرها عن كلّيات الإيمان التي تندرج تحتها مدلولات جزيئاته فإنّ كلّ اعتقاد صحيح عن الله وصفاته وأفعاله دنيا وأخرى تفسير لها كما أنّ كلّ ما تستلزمه عقيدة التّوحيد من الأعمال الصّالحة وفاء بحقّها» (17). وإذا كان التّوحيد هو مفتاح الإيمان فهو القاسم المشترك الأوّل بين جميع المسلمين بل إنّه ممّا لا يمكن أن يختلف فيه اثنان بما أنّه الأصل الأوّل الذي يجتمعون حوله «فليس بين المسلمين