مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... الآراء العقدية عند الإباضية الأوائل من خلال سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان للحسني غابري

الجزء ٢٥ · صفحة ٣

والحمد لله اختلاف وأنّ جميع قولنا ممّن يقرّ بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله، والإقرار بجميع ما جاء من الله، إنّهم مقرّون … والتوحيد إقرار وتوحيد» (18).إنّه إذا إقرار العبد بالشهادتين الذي يترتّب عنه عدم قدرة أيّ كان إخراجه من هذه المنزلة وهو ما يؤكده صاحب السيرة في تعليقه على قوله تعالى «قولوا آمنا بالله وماأنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما هم في شقاق» (19)، حيث يقول «فمن أقرّ بهذه الآيات خرج من الشّرك ونفى عنه الإنكار والتّكذيب لا يرجع إلى منزلة أهل الشرك إلاّ بالتولّي عمّا أقرّ به من الوحدانية لأنّه قد أقرّ بما أقرّ به الموحّدون .. وفي إقراره لله بطاعته واجتناب محارمه فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين» (20). فـ «جملة التوحيد» هي التي تفتح للإنسان باب الإيمان. ولذلك فإنّ معرفتها من الأمور التي لا يجوز أن يجهلها الإنسان متى بلغ مرحلة التّكليف. ومن ثمّ فإنّه لا خلاف بين أصحاب هذا الفرقة وبقيّة الفرق في وجوب معرفتها، وإن كان الاختلاف بين من يرى أن الطّريق إليها هو العقل وما الشّرع إلا متمّم له ومكمّل ومبيّن وهو رأي أهل العدل والتوحيد ومن يرى أنّ طريق معرفتها هو الشّرع الذي يكون العقل مصدّقا له وهو الرأي الذي يذهب إليه الإباضية باعتبار أن لا حكم للعقل في شيء من الوجوب الشرعي. ولئن تحدّث ابن الرحيل عن موضوعين في هذا الإطار وهما المتشابه والتّوحيد فإنّ ما غاب في هذا الموضوع أكبر ولا شك من ذلك أنّه وإن تعرّض لبعض صفات الله في إطار ردّه على موقف هارون من المتأوّلين خطأ فأشار إلى الإرادة ونفي الشّبه (21) … فإنّه لم يثر مسائل كثيرة مثل: – وجود الله تعالى – ذات الله تعالى – أسماء الله تعالى – صفات الله تعالى: صفات الذات، صفات الفعل،- ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الله تعالى. ولعلّ ذلك راجع بالأساس إلى التزام الرّجل بالردّ على آراء خصمه هارون الذي لم يطرح مثل هذه المسائل. مع الملاحظ أنّ ما جاء في باب التّوحيد هو أقرب إلى الإنسانيات منه إلى الإلهيات ذلك أنّ تناوله قد كان في إطار علاقة وثيقة بينه وبين الأسماء والأحكام من إيمان وكفر وشرك وهو ما سيتمّ التعرض إليه في قسم الإنسانيات.

بالنّسبة إلى قسم الرّساليات تجدر الإشارة إلى أنّ الخوض في مسألة النّبوّة مرتبط بمبحث التّوحيد ذلك أن جملة التّوحيد عند الإباضية عموما تحتوي بدورها على الإقرار بالرسول صلى الله عليه وسلّم في إطار الشّهادتين. وقد جاء حديث محبوب بن الرحيل عنه في إطار ردّه على خصمه هارون بن اليمان الذي زعم أنّ الرّجل يعتبر المتأوّل في النّبي مشركا بينما لا يعتبر المتأوّل في الله كذلك. وإن كنّا قد فصّلنا الحديث في المسألة الثّانية في إطار مبحث «المتشابه»، فإنّنا سنعتني بالمسألة الأولى في هذا المبحث فنشير أوّلا إلى ارتباط الأمرين بموضوع الشّرك إقرارا أو جحودا بمعنى أن الشّرك لا يرتبط بإنكار الله فحسب أو جحوده بل بإنكار الرّسول كذلك وفي هذا الإطار يقول «وزعم هارون أنّي أزعم أنّ المتأوّل في النّبي صلّى الله عليه مشرك وأنّ المتأوّل في الله ليس بمشرك فانظروا في قولي وقوله! وأنّ محمدا رسول، ثمّ قال ليس هو هذا الذي يقولون! فهذا إنكار لمحمّد وإنكار لنبوّته لأنّه إذا قال هو غير هذا فقد جحد وأنكر وليس هذا تأويل إنّما هو إنكار منه أن يكون محمد رسول الله» (22). إنّه يميّز إذا بين التّأويل والإنكار في ما يتعلّق بالرّسول الكريم كما هي الحال في ما يتعلّق بالله تعالى ليكون الحاصل مجدّدا هو ضرورة الإيمان بالرّسول وبنبوّته باعتباره من مفاتيح الإيمان والإقرار كما يمكن أن يتحوّل إلى مفتاح للشّرك في حالة الإنكار والجحود. وعلى هذا الأساس شكّلت النبوّة مبحثا أساسيا من مباحث الفكر الإباضي الذي منه هذه السيرة فتفرّع إلى مسائل متعدّدة منها الحاجة إلى النبوّة وقيام حجة الله بإرسال الرّسل، وصفات الأنبياء والرّسل، والإيمان بالأنبياء والرسل، ودلائل النبوّة واقتران المعجزة بالنبوّة (23). وإن لم يتوقّف محبوب بن الرحيل عند هذه المسائل بالتفصيل والتدقيق فإنّها حاضرة ولاشك باعتبارها من مستلزمات النبوّة. وقد يفسّر غيابها كذلك بالإطار الذي يستدعي ذلك إذ أن الأمر يتعلّق بردّ على سيرة سابقة إضافة إلى أنّ الغاية هي دفع تهمة تحتاج إلى توضيح وتدقيق في نفس الإطار حتّى يكون الرأي واضحا والبرهان جليّا. وفي حديثه عن صلاة الجمعة انطلق من رأي لهارون بن اليمان يورده في قوله التّالي: «أزعم أنّه يقول قد جمع المسلمون خلف أئمّة قومنا ولم يختلفوا فيها فزعم أنّه يجوز لهم ما فعلوا وقد أدّى فريضة وأنّ الرجل لم يجمع وتنزّه فهو أفضل» (24). وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المسألة كانت موضع اختلاف بين أصحاب هذا الفرقة كما هي الحال مع هارون بن اليمان الذي يعتبرها انطلاقا ممّا تقدّم من قول صاحب السيرة جائزة غير لازمة أو مفروضة. وهو في هذا الرّأي يبدو مخالفا لرأي عامّة المسلمين السّابقين الذين لا اختلاف بينهم في أنّها واجبة. ويذهب محبوب بن الرّحيل إلى أنّ هذا الواجب مطلق غير مشروط بطبيعة الإمام عادلا كان أو جائرا لذلك تحدّث عن هذا الأمر في موضعين، يقول في الموضع الأوّل «الجمعة خلف أئمّة قومهم فريضة» (25) أمّا في الموضع الثّاني فقد تحدّث عن الإمام جابر بن زيد قائلا إنّه «كان يجمع خلف زياد وعبيد الله بن زياد والحجّاج وهم الذين بلغوا في قتل المسلمين ما لم يبلغه أحد من الناس» (26) ممّا يؤكّد أن أداء هذه الفريضة غير مشروط بطبيعة الإمام والحجّة في ذلك سيرة الأئمّة الأوائل الذين تعدّ مخالفتهم بدعة. فحضورها» واجب على من كان من أهل البلد مع من أقامها من أئمّة العدل وأئمّة الجور لقول الله عزّ وجلّ (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَاسُعَوْا إِلَى ذَكِرِ اللَهِ) (27) فوجب بهذه الآية إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة أن يسعوا إلى ذكر الله وأمّا من زعم أنّها واجبة خلف أئمّة العدل لا تجب خلف أئمّة الجور فعليه البرهان بما ادّعى» (28). وإذا كانت طبيعة الإمام لا تحول دون هذه الفريضة فإنّ المسافات لا يجب أن تمنع من آدائها وفي ذلك يقول الإمام جابر بن زيد «تؤتى من رأس فرسخين وثلاثة ومن قدر أن

٢٤٥ / ٣٥٢