مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... الآراء العقدية عند الإباضية الأوائل من خلال سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان للحسني غابري

الجزء ٢٥ · صفحة ٦

ولا يبرأ منهم حتى يعرفهم بيقين لأنّ الولاية والبراءة عند الاباضية لا تلزم إلاّ باليقين كالمعرفة الشخصية أو شهادة العدلين ولا تبطل إلا بيقين» (55). وقد وردت هذه الكلمات الثّلاث موزّعة في سيرة محبوب بن الرحيل في مواطن مختلفة. فقد تحدّث عن الولاية رابطا إيّاها بالتّقوى مؤكّدا على معناها المتمثّل في «أن الله جعل تقواه طاعته فيما أمر به ونهى عنه ثم أثبت اسم التّقوى لأهلها بوفائهم له بحقوقه وتسليمهم له الطّاعة» (56) مشيرا إلى أصحاب الحكم المقابل وهو البراءة التي تتعلّق بالخارجين عن اسم التّقوى المضيّعين للطّاعة لذلك يقول «وأبغضهم إليه المضيّعين للطّاعة وهم الخارجون من اسم التّقوى … وحلّت بهم من الله البراءة واستحقّوا العقوبة» (57). مع الملاحظ أنّ محبوب بن رحيل يؤكد على أنّ البراءة يجب أن تُبنى على يقين وليس على مجرّد رأي أو كلام لذلك فإنّه يخالف خصمه في شأن المرأة التي قيل أن المغيرة بن شعبة قد زنى بها حيث يقول «لو أنّ رجلا من المسلمين برئ من هذه المرأة وسعه ذلك وجاز له» (58) بينما يرى هو أنّ هذا «ما لا يحلّ ولا يجوز لأحد أن يزيل اسم التّقوى عنها برأي حتّى يزيله الله عنها كما أثبته فمن أثبت له اسم التقوى فهو ثابت له حتى يزيله الله عنه فمن قال غير ذلك فقد أخطأ وخالف المسلمين» (59). فمثل هذه الأحكام لابدّ أن تُبنى على الدّليل والحجّة والبرهان باعتبار أنّ البراءة كما الولاية لا تلزم إلاّ باليقين. وبخصوص رأيه في الوقوف ففيه تأكيد على أنّه لا يعني معنى الشكّ عموما وهو ما يخالف فيه هارون بن اليمان الذي استند في وقوفه في بعض أصحاب المعاصي بعدم جلد عمر بن الخطاب للمغيرة بن شعبة وعدم استتابته وكذا المرأة التي قيل أنّه قد زنى بها ولا الشّاهد الرّابع الذي ارتبك في شهادته (60) وكذلك وقوفه في أمر عائشة في حادثة الإفك مؤكّدا على خطأ هذه الاستشهادات مبيّنا أنّها مرتبطة بمفهوم الشّكّ لذلك يتحدث عن وقوف هارون فيقول «إنّ وقوف هارون جهل وشكّ وعمى وحيرة» (61). أمّا هو فيميّز بين وقوف الفقهاء أو المسلمين في أمر من لم تعرف حاله من الطّاعة والمعصية ووقوف الرّسول صلى الله عليه وسلّم انتظارا لما يأتيه من وحي من ربّه. خلاصة القول إنّ مفهوم الولاية مرتبط باليقين المتعلّق بالطّاعة لله كما يرتبط مفهوم البراءة بالمعصية له ليكون الوقوف مرتبطا بعدم معرفة أحوال الإنسان بين الطّاعة والمعصية دون أن يعني ذلك الشكّ الذي يبدو أمرا مرفوضا عند محبوب بن الرحيل ذلك أنّه من غير دين المسلمين. ويستدلّ في ذلك بإنكارهم الشّكّ على عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي شكّ في بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فيقول «ولو أنّ المسلمين يجوّزونه لأحد لأجازوا لابن عمر» (62). وانطلاقا ممّا تقدم تبدو مفاهيم الولاية والبراءة والوقوف باعتبارها أحكاما بل واجبات واضحة عند عامّة المسلمين لا التباس فيها ولا تداخل بينها تماما كما وضوح الطاعة والمعصية أو عدم ظهور أيّ منهما وهو ما عبّرت عنه هذه السيرة في مقولة يمكن أن تكون خاتمة لهذا القسم من المبحث هي «ما نرى أن أحدا من المسلمين يخفى عليه قول أهل الدّين والعلماء والفقهاء والذين مضوا لسبيلهم رحمهم الله … بيّنوا حلالهم وحرامهم ووليّهم وعدوّهم ومن يكفّون عنه وذلك من لا يعرفونه بإيمان ولا كفر … فدينهم الكفّ عنهم حتّى يعرفوا الوليّ منهم والعدوّ، فهذا دينهم وديننا من بعدهم» (63).

ختاما يمكن القول إنّ هذا العمل هو محاولة لسبر بعض أغوار التّراث الإسلامي مجسّدا في فكر فرقة من الفرق الإسلامية وهي الإباضية. وقد نظرنا إلى بعض جوانبه من خلال أثر من آثاره المتنوعة يعود إلى مرحلة التأسيس. وقد حرصنا فيه على تنويع المراجع خصوصا الرّاجعة لأصحاب هذه المدرسة الفكرية تجنّبا للتّجنّي أو الأحكام المسبقة مقتربين من رأي أحد أعلامها يرى أنّ «من يكتب عن فرقة معتمدا على مصادر غيرها يكون بعيدا كلّ البعد عن الحقيقة لا يسلم من التجنّي أو هو في الحقيقة واقع في الخطأ من أوّل خطوة وأنّ ما يجيء على لسانه أو قلمه من الصّواب فيها هو بمحض الصدفة» (64).وعلى هذا الأساس نظرنا في سيرة محبوب بن الرحيل لرصد مختلف الآراء العقدية التي انطوت عليها فرأيناها مجسّدة في ثلاثة مجالات هي الإلهيات والرساليات والإنسانيات. ويمكن إجمال ما ورد فيها من آراء ومواقف في قضايا ومواضيع متعدّدة في النتائج التّالية:- تنزيه الباري في مجال الإلهيات انطلاقا من التوحيد وانتهاء إلى القول بالمجاز في مجال ما يوحي بالتجسيم والتشبيه.

-الإيمان بالرسالة وهي حجة الله، على أساسها يكون احترام الإمامة مهما كانت إلى حدّ ما، لذلك يصلّى وراء أصحابها وتؤخذ الأعطيات لأنّها من حقوق المسلمين.

– الوسطية في قضايا الأسماء والأحكام والإلحاح على ربط نيل الشفاعة والجنّة بالتّوبة.

-ضبط أساس في التّعامل بين أفراد المجتمع قائم على واجبات الولاية والبراءة والوقوف.

وهي في نهاية المطاف ليست غير نموذج من نماذج الاجتهاد التي تمثّلها هذه الفرقة بعيدة كلّ البعد عن أشكال التطرّف، وفيّة لروح الاعتدال المميّزة للشريعة الإسلامية مؤكّدة بذلك أنّ الاختلاف لا يجب أن يكون غير عامل إضافة، وأنّ الغيرة على هذه الحضارة لا تعني إلغاء الآخر من الأفكار بإثبات التّهم عمدا أو سهوا بل بالتّحاور معه واعتبار كلّ جهد مقدّم زاوية من الزّوايا العديدة التّي ننظر من خلالها إلى هذا التّراث العريق حتى تكون الإضافة الخلاّقة التي تشهد بأن الاختلاف نعمة لا نقمة.

٢٤٨ / ٣٥٢