مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... الآراء العقدية عند الإباضية الأوائل من خلال سيرة محبوب بن الرحيل إلى أهل عمان في أمر هارون بن اليمان للحسني غابري

الجزء ٢٥ · صفحة ٥

التّسمية الوسط بين الإيمان والشّرك مؤكدة بما ورد في أحكام الله ورسوله التي تثبت أنّهم موحّدون وليسوا بمشركين ذلك أنّ القرآن الكريم إنّما ينعى عليهم في أكثر مناقشاته لهم إخلالهم بالجوانب العملية وكذلك الشأن بالنسبة إلى السّنة، وهو ما يدلّ دلالة واضحة أنّ النّفاق يعني الإخلال بما يقتضيه الإيمان من سلوكات عمليّة من المقرّين بالتّوحيد. وانطلاقا من الجمع بين النفاق والكفر ردّ محبوب بن الرحيل على هارون بن اليمان الذي يشير إلى أنه «لا يبرئ ولا يكفر إلاّ من ركب معصية توجب عليه حدّا في الدّنيا وعذابا في الآخرة» (42). بمعنى إنّ الكفر يقترن بالنسبة إليه بالكبائر وهو ما يبدو مرفوضا من ابن الرحيل في ردّه استنادا إلى أمثلة على مجموعة من المعاصي كتعمّد أكل لحم الخنزير وترك صوم شهر رمضان إلخ … للتأكيد على أن السّابقين يبرئون من مثل هؤلاء بمعنى يبغضونهم في الله من أجل المعصية ولا يتقون عنهم وما يبرّر ذلك أنّ مثل هذه المعاصي وإن لم يوجد في القرآن حدّ عليها ولا عقوبة مسمّاة فإنّ المسلمين قد علموا أنّ ما أشبه الكبير أو قاربه فالكبير أولى به وأنزلوه بمنزلته» (43). وعلى هذا الأساس كذلك يذهب معظم علماء الإباضية إلى عدم تشريك من خالفهم في تأوّل صفات الله تعالى وهو ما يخالف فيه صاحب السيرة هارون بن اليمان الذي تثبت المصادر أنّه حكم بالشرك للمتأوّل المخطئ في تأويله على الله (44). فيكون بذلك قد خالف السّلف من علماء الإباضية وهم الذين يستند إليهم ابن الرحيل باعتبار استنادهم بدورهم إلى ما ورد في القرآن الكريم مثل قوله تعالى «مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» (45). وكذلك في ما يتعلق بتحليل أكل ذبائحهم وجريان المواريث بينهم وبين المسلمين وحجّهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم» (46). وبهذه الحجج يرد صاحب السيرة على الخوارج الذين ذهبوا إلى تسمية كل أهل القبلة بالشرك وكذلك الجهمية الذين يذهبون إلى تشريك من وصف الله وكذب في وصفه» (47) مؤكدا رأي أغلب الإباضية الذين يعتبرون المتأوّل في الله الذي لم يبلغ به تأويله إلى الجحود والإنكار كافرا ضالا منافقا. فالشّرك عند الإباضية كما توضّح هذه السّيرة النموذج منزلة الفاصل فيها والمحدّد «جملة التّوحيد» إقرارا أو جحودا. وفي المقابل فإنّ منزلة النفاق التي تعتبر محلّ إجماع باعتبار أنّ أغلب الفرق تعتبر المنافقين كافرين وأنّ مصيرهم الدّرك الأسفل من النّار مصداقا لقوله تعالى «إنّ المنافقين في الدّرك الأسفل من النّار ولن تجد لهم نصيرا» (48) فإنّها تقرّ بأنّهم موجودون مع المسلمين كما وجدوا مع الرسول صلى عليه وسلم حجّوا معه وجاهدوا ولكنّهم مذبذبون بين الإيمان والشرك. وعلى ذلك يكون النّفاق مميّزا عن الشرك بعيدا عنه مرادفا لكفر النّعمة والفسوق والظّلم. ومن ثمّ يتّضح تمييز صاحب السّيرة بين الإيمان والشّرك منزّلا النّفاق منزلة وسطا بينهما كما ذهب إلى ذلك سلفه من الأئمّة والعلماء. وبذلك يكون النّاس ثلاثة أقسام هم المؤمنون الملتزمون بجميع ما جاء به الإسلام، والمشركون الواضحون في شركهم إمّا بإنكار وجود اللّه تعالى أو إشراك غيره معه في العبادة، أمّا أصحاب الفريق الثالث وهم المنافقون» فهم الذين أعلنوا كلمة التوحيد وأقرّوا بالإسلام ولكنّهم لم يلتزموا به سلوكا وعبادة» (49). وأمّا بخصوص قضيّة الذّنوب والتّوبة فقد ذكر محبوب بن الرحيل في حديثه عن الذّنوب أنّها تصنّف إلى صنفين «ذنب يهلك به صاحبه عند المباشرة والمواقعة وذنب يهلك به صاحبه بترك التّوبة والمقام عليه» (50) ويعني ذلك أنّ الذّنوب على منزلتين عموما لا يمكن الخروج عنها وتتمثّل المنزلة الأولى في الإقدام على الذّنب أو المعصية وتنفيذها أمّا المنزلة الثّانية فتتمثّل في الإصرار عليه وعدم التّوبة منه. وبذلك فهو يخالف القائلين بأنّها ثلاثة كما ذهب إلى ذلك هارون صاحب الرّسالة موضوع الردّ إذ هي «ذنب يكفر به من ركبه، وذنب لا يدري أيكفر به أم لا فيقف عن أهله فيه، وذنب يعفو الله عنه» (51). وانطلاقا من المقارنة بين الموقف الثاني لصاحب الرسالة موضوع الردّ والموقف الأول لابن الرحيل نتبيّن أنّه لا وسط في الذّنوب من حيث وجودها باعتبار الإقدام عليها أو الإصرار عليها يجعلها حاصلة غير أنّها وإن انقسمت إلى كبائر وصغائر فإنّها تتساوى من حيث علاقتها بالتّوبة بمعنى أنّها لا تسقط ولا يتمّ العفو عن المقبل عليها إلاّ بها، ولذلك فإنّه يردّ على خصمه بقوله «فإن قال إنّ عليهم فيه التّوبة، وبالتّوبة يعفو الله عن الذّنوب فقد صدق وقال بقولنا وقول المسلمين وإن قال مغفور بلا توبة فقد كذب لأنّ الله تبارك وتعالى يقول:» وتوبوا إلى الله جميعا أيُّها المؤمنون لعلكم تفلحون» (52). فالتّوبة كما يؤكّد صاحب هذه السيرة واجبة إزاء كلّ ذنب صغر أو عظم بل إنّ قيمتها وأهميّتها تتّضح في التّخفيف من هالة «الكبيرة» إن هي حصلت والتّرفيع من شأن الصغيرة إن هي لم تحصل «فعلى الخلق التّوبة من كلّ صغيرة وكبيرة فمن دين المسلمين أنّه لا كبيرة مع توبة ولا صغيرة لمن أقام من النّاس على صغيرة فهو هالك» (53). وممّا سبق تبدو أحكام الإباضية في ما يتعلق بالذّنوب على درجة كبيرة من الاعتدال لاسيما في ما يتعلّق بالحكم على مرتكب الكبيرة حيث لم يذهبوا مذهب الخوارج المتشدّد الذين اعتبروه مشركا ومن ثمّ فهو خالد في النّار كما لم يحكموا فيه حكم المرجئة الذين يرون بأنّه لا تضرّ المعصية مع الإيمان وفي هذا الإطار يقول علي يحيى معمر متحدّثا عن هذا المذهب «ولم يتطرّف في موضوع مرتكب الكبيرة فيوافق من يحكم عليه بالشّرك ولم يقف موقف المرجئة الذين يفتحون أبواب الجنّة للعصاة كأن ها فندق يملكون هم مفاتيحه على مبدأ لا تضرّ مع الإيمان معصية» (54). وبالنّسبة إلى القضيّة الأخيرة فهي قضيّة الولاية والبراءة والوقوف. فالولاية والبراءة دالّتان على موقف المؤمنين من إخوانهم المسلمين ومن الكفّار بمعنى الحبّ في الله من أجل الطّاعة الذي تتعلّق به كلمة الولاية والبغض في الله من أجل المعصية الذي تتعلّق به كلمة البراءة. وهما أمران واجبان على المسلم. أمّا العبارة الثّالثة وهي الوقوف فتعني التحفّظ. فإذا لم يكن المؤمن متيقّنا من أعمال الشّخص أو إيمانه كان عليه أن يمتنع عن إصدار حكم عليه إلى أن يصبح على يقين من أعماله وإيمانه وبالتّالي يكون له موقف محدّد يستطيع بموجبه أن يتولّى هذا الشّخص أو يبرأ منه وهو ما يوضّحه علي يحيى معمر في قوله « .. أمّا من عرف في زمانه ولم يعرف أحوالهم من الطّاعة والمعصية فيجب أن يقف فيهم لا يتولاّهم

٢٤٧ / ٣٥٢