مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... النبهاني شاعر التنوع والاختلاف لسعيدة خاطر الفارسي

الجزء ٢٧ · صفحة ٢

الحواضر الكبرى من ارجاء الوطن العربي، كما عارض النبهاني عمر بن أبي ربيعة ، والمعري ، وابن دريد ، فالمعارضة الشعرية تعتبر من سمات شعره الفنية البارزة.

إن الاقتراب من شعر أي شاعر يقتضي منا التعرف على البعد أو المحور الأساسي في تجربته الشعرية، ومن ثم محاولة الكشف أو الإمساك بالخيوط النفسية والشعرية والفكرية التي يتألف منها نسيج الرؤية الشعرية لديه، وبتتبعنا لديوان النبهاني، اتضحتْ لنا الأبعاد الأساسية التي قامت عليها تجربته، ووجدنا أن هذا البعد - عادة- ما يختفي خلف المحاور الكثيرة التي تناولها الشاعر تلبية لهيكل بناء القصيدة العربية القديمة لكن إخلاص الشاعر لفنه جعله يقتطع لنفسه قسطا وافرا من أبيات كل قصيدة، ليسجل فيها بعده الأساسي الذي يبلور رؤيته الشعرية الخاصة. أو لنقل أن النبهاني بحكم سخونة الصراع والأحداث الجارية حوله لم يهتم كثيرا بتعدد أغراض القصيدة لديه فقد كان كثيرا ما يهجم مباشرة على هدفه خاصة عندما يحتدم الصراع في داخله، وهو لم يحافظ على تعدد أغراض القصيدة إلا في تلك القصائد التي يعارض فيها الشعراء، مظهرا لقدراته الفنية، وفي هذه الحال عادة ما يكون هادئا رائق البال، لكن لأن النبهاني ينتمي إلى فئة الشعراء الفرسان، فان لحظات الصفاء هذه كانت نادرة في حياته وقليلة، فالنبهاني أمير وشاعر من شعراء الفروسية مثله مثل أبي فراس الحمداني، والشريف الرضي .. والمعتمد بن عباد، ومن ثم فقد قامتْ تجربته على شبكة من الصراع، متلاحمة تلاحما شديدا ومكونة نسيجا واحد متجانسا أضفى على رؤية الشاعر لونا متميزا من الوحدة النفسية، فالنبهاني في حالة صراع مستمر، وأصعب أنواع هذا الصراع، صراعه مع النفس إنه:

(1) - يصارع حبه لأخيه مع شهوة الانتقام التي ولدتها جرأة أخيه عليه وتهوره ووقوفه مع الأعداء ضده.

(2) - صراعه مع أعدائه من بعض القبائل العمانية.

(3) - صراعه مع الإمام وأتباعه (الرافضين) لشرعية حكم النباهنة.

(4) - وأخيرا صراعه مع أطماع الغزو الخارجي المتكرر على عمان والذي لم ينقطع طيلة حكم النباهنة. هذا القلق والخوف المستمر، خلق نوعا من التوتر الذي أصاب أوتار نفس الشاعر المتعبة، مما حوله إلى قلق خلاق أغنى تجربة الشاعر وأخصبها فنيا، ونتيجة لهذا القلق تعددتْ صور الصراع لديه، فالثور يصارع الكلاب- والحمار الوحشي يصارع القدر المفاجئ المتمثل في الصياد المترقب للأتن، وهو يصارع حبه لأخيه وغضبه منه وخوفه عليه، ويصارع خوفه على ملكه، وهذا الصراع الحاد شكل لدى النبهاني نوعا من الدراما الشعرية، لذا وجدنا الحركة الدائبة التي يتطلبها الحدث، ووجدنا وضوح الملامح المكانية والزمانية، وقد انساق النبهاني إلى هذه الظاهرة بوحي السليقة، لا عن إدراك فني منه، ولذا فكثيرا ما يختار البحور ذات التفعيلة الواحدة لتسجيل ألوان الصراع، تلك البحور التي تساعد على تدفق الحركة وبلورة الدراما، يقول:

وأبتُ بسيفي قد تثلَّمَ حدَّه

وجفلةُ فيها للكلامِ محاجمُ (6)

هنا الصورة مجسده الملامح بصريا وسمعيا وحركيا وتصف عودته من إحدى المعارك مع أخيه حسام … ثم ينتصر النبهاني على أخيه في عدة معارك .. لكن النبهاني رغم هذه الانتصارات غير راغب في استمرار الصراع بينه وبين أخيه شريك صباه وربيب تخته الملكي ولذا كثيرا ما نجد الاستعطاف يلي كل وصف لمعاركه معه، أو بعد كل نصح وتحذير له تأتي نبرة الاستعطاف والرجاء بالكفِّ عن القتال واضحة قوية:

وإني وإن سلمتمُ أو نصرتمُ

لخلٌّ وفيٌّ بالمودةِ دائمُ

أراكم بعينِ الودِّ غيباً ومشهداً

وأسمو بكم واللهُ بالغيبِ عالمُ

فلِمْ تخذلوني عندَّ كل عظيمةٍ

وكفى بكم يالَ المروءةِ لازمُ

٢٦٦ / ٣٥٢