العدد ... كتابة قواميس البيوغرافيا في عمان لعبدالرحمن السالمي
الجزء ٣٠ · صفحة ٢الشخصية، إضافة إلى انتماءاتها العقائدية والفكرية. (15) وبما أن الخلفية التاريخية لطبيعة وماهية هذه المصنفات (قواميس البيوغرافيا) في الثقافة الإسلامية قد درست من فبل، إذا لا داعي لاجترار التكرار من الخلفية التاريخية وتعديد أهميتها.
I- و لكننا سنتجه في هذا المقال للتحدث عن تطور الكتابة الفنية لقواميس التراجم (البيوغرافيا) وسير الأعلام في عمان، بتتبع هذه المصنفات ومحاولة البحث من خلالها عن الانعكاسات للأوجه الثقافية لعمان. حيث أن الدوافع للكتابة عن هذا الجانب أولا لعدم ظهور دراسة تعنى بهذا الجانب عند العمانيين وقد يرجع ذلك إما لان التصنيف في هذا المجال حديث نسبيا مقارنة بوجودها (القواميس) في التراث العربي، وإما السبب الأخر هو لظهور كتابات حديثه ومتعددة في دراسة مصادر التاريخ العماني والتي تعد سمة مميزة لكشف جوانب من الثقافة العُمانية، (16) لكنها خلال دراساتها لا تفرد لها بابا أو فصلا مميزا ولكنها عادة ما تدرج هذه الكتابات تحت مسميات «التراجم والسير». فهذا المزج بخفي وجودها من الكتابة العُمانية وبعثها هو التقصي لتراث وفنية إبداع المصنفات العُمانية.
ومن هذا المغزى سنحدد خطواتنا في هذا المقال أولا بحصره على الجانب الإقليمي المتمثل في عمان. ثانيا محاولة حصر وتوثيق هذه المصنفات، ومن ثم ستتناول دراستها من جانبين: التاريخي، وهو دراسة تطور تدوين هذه الكتابة في عمان، وأما الجانب الأخر فهو استقراء للأنماط الأدبية المستخدمة عند العمانيين في كتابة هذه المصنفات وعرضها. وأخيرا سنركز في تحديد رؤية الكاتب من تصنيفه بمعنى المنظور الذي يحاول المصنف رسمه من اجل إبراز الأشخاص المدون عنهم بمحاولة فهم البعد الثقافي أو الاجتماعي المنعكس من رؤية الكاتب.
إن الصعوبة التي نواجهها منذ البداية هو تحديد موقع مصنفات (قواميس البيوغرافيا) ضمن البيلوغرافيا (قائمة الكتب) العُمانية قصد تحديد ماهيتها. فتداخل اختصاصات مضامين المصنفات قد يكون بحكم تداخل المحاور وإما لتعدد المواد المعرفية المتعلقة بها. فالمحاور التي تتداخل بحسب رؤية المقال في قواميس البيوغرافيا (بشكل إجمالي) ثلاث نواح: 1 - مهنية، 2 - علمية 3 - إقليمية. بطبيعة الأمر، أن تحديدها لا يشكَّل صعوبة في الدراساتِ العربيةِ إجمالاً، لكنها بالنسبةِ للدراساتِ العُمانية فإن الصعوبة إما لفرزها وضم البعض منها إلى الكتابات الأدبية من شعر ونظم، وإما عدَّها مسبقاً ضمن المصادر التاريخية العُمانية، كما أشير إليها سابقا، (17) وهذا ما يتضح على سبيل المثال من ترجمة بادجر لعنوان «الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيدين» بعنوان» History of Imams and Seyyids of Oman»(18) . حيث ترجم سيرة بمعنى تاريخ والأولى بان تترجم إلى « biography».
II- ولما كان بغية هذا المقال أولا التتبع التاريخي لبدايات هذا اللون من الكتابة وهو دراسة بدايات تدوين مصنفات كتب قواميس البيوغرافيا في عمان، فان البداية تتعين علينا النظر في تغطية المؤشرات الأولى عن كيفية التتبع حول شخصية عمانية ومحاولة إعطاء ملامح وروافد أوسع لربط الأصول الاجتماعية لعناصر التراجم وحركتها خارج الإطار الجغرافي العماني.
فلإكمال إطار أي دراسة في التاريخ أو التراجم لابد لبنية تلك الدراسة من أن تتم بالجمع ما بين المصادر الداخلية والخارجية معاً في آن واحد وبدون أحدهما لا يمكن إكمالها. نعم ذلك أمر مدرك لأي دراسة، ولكنها تعنينا في هذه الدراسةِ من أمور عدة:
أولا: لهجرة كثير من القبائل والشخصيات العُمانية في القرون الأولى للهجرة خصوصا إلى العراق وشرق بلاد الرافدين، هذه الهجرات سواء فردية أم جماعية تفقد الكتابات العُمانية في أيراد معلومات مستوفية عنها، فعلى سبيل المثال يورد العوتبي معلومات عن عائلة المهلب ابن أبي صفرة لكن تتبعه التاريخي ينقطع مع القضاء عليها في أيام يزيد بن عبدالملك (102|720). (19) فالتتبع التاريخي لهذه العائلة العُمانية يستلزم تتبعا أوسع عن انتشارها وأعمالها، وهذا ما أورده تاريخ جرجان (20) فهي موازاة تتم بخيوط عدة لإكمال هذا الوجه عن التواريخ. وهكذا إذا ما تتبعنا شخصيات عمانية أخرى كمازن بن غضوبة نجد كتابات التراجم العُمانية تغفل في ذكر أخباره بعد تاريخ إسلامه ولكن كتابات ابن الأثير في «أسد الغابة» وابن عبدالبر في «الاستيعاب» توضح لنا هجرة وانتقال أحفاده من بعد إلى أذربيجان وأحفاده على واحمد بن حرب (وهما من علماء الحديث) حيث توفي الأول في الموصل والأخر بساحل الشام. وكذا إذا توجه للبقية عن كشفِ جوانب من تواريخِ أعلام عمان كجابر بن زيد والخليل بن احمد وابن دريد والمبرد لا حصرا، لا تسعفنا المصادر العُمانية في هذا الجانب للإلمام بتوسع في المعرفة عنهم. لذا تبقى المصادر العربية غير العُمانية للتوسع في هذا المجال أرشيفا مهما للتقصي وحتى الحديثة منها كمشاهير الشرق لجرجي زيدان او الأعلام لزركلي.
ثانيا: للتحول التجاري مع الشرق في القرنين 10 و11 من منطقة الخليج إلى البحر الأحمر ثم مصر ومنها إلى أوروبا على اثر قيام الدولة الفاطميين فتح المجال التجاري إلى بدايات الهجرات العائلات العُمانية إلى شرق أفريقية والاستيطان