مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... كتابة قواميس البيوغرافيا في عمان لعبدالرحمن السالمي

الجزء ٣٠ · صفحة ٣

على امتداد الساحل الشرقي، وقد ظل تتابع الهجرات والاستيطان لشرق أفريقية متواصلا لمنتصف القرن العشرين. لكن تكاد أن تكون شحيحة الحصول على أية معلومات حول هذا الجانب من المراجع العُمانية.

ثالثا: وهو الأمر المشار إليه سابقا تأخر هذه الكتابات في عمان أو لفقدانها مع كثير من المصادر العُمانية، فمن المراجع غير العُمانية نستطيع أن نستشف المجال الحركي لهذه الشخصيات.

III- بدايات كتابات البيوغرافيا في المصنفات العُمانية: إن القصد منه الإشارة التي يمكن الاستدلال بها على بداية هذا التصنيف في عمان والذي يمكن إرجاعه بحسب ما ذكره نورالدين السالمي إلى احمد بن النظر (ق6|12) الذي ألف كتاب سلك الجمان في سير أهل عمان في مجلدين لم يوجد منهما بعد الحرق إلا تسعة كراريس. (21) ولفقدان الكتاب كل ما يمكننا هو التمعن في كلمة «سير» التي تشير إلى أن الكتاب يتحدث عن تراجم بعض أعلام أهل عمان، إلا أن الاعتقاد المرجح إن الكتاب كان يشمل الكتابة التاريخية عن عمان اكثر من اشتماله على تراجم أو سير الأعلام.

وهنا نتساءل هل يمكننا أن نصدر بيانا قاطعا في هذا المجال سواء كان بدحض أو تأييد ما إذا كانت هناك أي كتابات سابقة عليه؟ إلا أنني في اعتقادي بحسب ما يمكن تتبعه حتى الآن لم يقم برهان لأي كتابات من هذا الجنس بين العمانيين إلى ذلك الوقت، والبرهان على هذا البيان هو بحكم الضرورة غير مباشر وهذا أمر طبيعي لأنه يندر أن يثبت الحكم القطعي على قضية بطريقة مباشرة بدون براهين: أما في حالات وجودها فيستدعي الأمر التقدم بالبراهين الواضحة لإثبات صحتها والعكس صحيح لإثبات البيان السلبي. لكن الافتراضات واسعة وممكنة وقد تندرج بحكم البدايات في تطور الكتابة الفنية في عمان خلال القرنيين 10و11م من مصنفات ابن بركه والكدمي وأبي الحسن البسيوي وأبي المنذر العوتبي وأبي بكر الكندي. وان كان مما يشار إليه هنا أن مثل ابن دريد من الذين ظل التصاقهم المكاني بين عمان والبصرة وكتابة «الاشتقاق» لما يوجد من إشارات متصلة ضمنها لكن لا يمكن الأخذ به كنموذج في هذه الدراسة لاختلاف ماهية الكتاب.

فالتطور لهذه الكتابة جاء تدريجيا من بعد ابن النظر ابتداءً من سيرة عبدالله بن مداد (ق9|16) المشهورة بـ «صفة ونسب العلماء» (22) التي قد تكون بحق المصدر الأساسي في معرفة علماء عمان للمصادر اللاحقة. وقد اعتمدت أولا على السرد بتتبع معرفة الأعلام العلماء العمانيين وكيفية وصول العلم (الشريعة) ابتداء من ابن عباس إلى العلماء العُمانيين في البصرة ثم علماء عمان من حملة العلم وبشكل تدريجي إلى القرن 5|11، ثم عن العلماء الذين من بعدهم ثم بفصل عن أئمة عمان وفترات حكمهم: ولكن السيرة لم تتقص لنا تواريخ وفيات العلماء وأخبارهم في حين إنها اقتصرت على تعدادهم. إن التميز الذي يمكن الإشارة إليه في هذه القائمة هو أن الرؤية الدينية (في إحصاء علماء الشريعة) شكلت كتابة هذه القائمة لتصبح من بعد منهاجا لقوائم متعددة ظهرت من بعد ذلك، أو أجزاء من محتويات كتب كنحو: خميس بن سعيد الشقصي (ق11|17) في الجزء الأول من «منهج الطالبين»، وأحمد بن سعيد الخراسيني (في أواخر القرن 11|17) «الجزء الثالث من فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم»، ثم تبعت هذه الكتابات من جميل بن خميس السعدي في «قاموس الشريعة» في الجزءين الثامن والتاسع إلى الفصل التاسع والثلاثون من «كشف الغمة». إن ابرز ما نستنتجه من هذه المصنفات من صياغتها لتقديم المعطيات حولها أن هناك قاعدة ثابتة في بناء النص في هذه القوائم وهو ما يعطي هذه المصنفات نمطية ونسقا متكررين ومتداولين، فالنص ذو بناء كمي يقوم على سرد ما يمكن عدّهُ من العلماءِ بدون فرز الأسبقيةِ الزمنيةِ أو الترتيب الأبجدي حيث يتم حشر النص بالعددِ الممكن عده من العلماء بدون رؤية أو منهجية للترتيب. أما من حيث المنهج المتبع فالقاسم المشترك في الأسلوب يكاد التشابه الواضح فيه أن يكون نقلا مباشرا في ما بينها من السابق إلى اللاحق. فالتكرار يفيد وجود القاعدة المشتركة، أما النص في هذا الصدد فهو تراكمي يقوم في كل مرة على تغذية القائمة بالعلماء إلى فترتها، فينطلق المصنفون من سجلات ووقائع ثابتة ومتعارف عليها، فهي أشبه ما تكون بالمتواترة.

لكن إذا تمعنا في هذه القوائم للبحث عن مصادرها فإنها على ما يبدو قد اعتمدت على كتابات سلاسل الإسناد العلمي (أو رفع حملة العلم في عمان) بداية من أبي محمد عبدالله بن بركة (ق4|10) في «التقييد»، أبي الحسن البسيوي في «الجامع»، وكذلك على إشارات بعض العلماء في الكتابات الفقهية والعقائدية. لكن الجزئيات الأولى لهذه القوائم قد يمكن إرجاع مصادرها إلى بعض من بواكير السير العُمانية التي احتوى بعضها على سرد أسماء العلماء كسيرة أبي المؤثر ثم من بعده أبي الحسن البسيوي، فهذه القوائم في بداياتها كانت تتشكل من مقتطفات واقتباسات لبعض قطع السير العُمانية من خلال ذكر أعلام عمان الذين حملوا العلم لتصل في نهاياتها إلى العلماء المعاصرين للكاتب. فهذه القوائم السردية تتضح من تشكلها أن بداياتها كانت قبل أو أثناء صياغة ابن مداد لسيرته التي تعتبر المنعطف لهذه الكتابات، أي أن البدايات الكتابية قد يمكن إرجاعها إلى بدايات القرن 5|11. فالذي يمكن ملاحظته في هذه القوائم أنها استبعدت أن تسرد لنا بيوغرافيا عن التجار ومشاهير الأعيان وقادة القبائل، على سبيل المثال مما أثرت في الكتابات التاريخية والبيوغرافية (التراجم) على السواء.

٣١٠ / ٣٥٢