مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... كتابة قواميس البيوغرافيا في عمان لعبدالرحمن السالمي

الجزء ٣٠ · صفحة ١٠

من الشخصيات العُمانية، ثم المهم عندنا هو نزول القبائل العربية بعمان وانفراده بتفصيل بعض الشخصيات التي كان لها التأثير في المجرى العام، حيث يورد مفصلا عن مالك بن فهم وولده، بني العتيك وآل المهلب بن أبي صفرة، معولة بن شمس والجلندى. ومن هذه الزاوية قد تكون ثمة محصلة لتجميع ما يمكن استقراؤه عن رجالات عمان في عصر ما قبل الإسلام والقرن الهجري. هذا الانعكاس يتضح تماما من محاولته لصب التاريخي القبلي وبلورة الاستيطانات العربية كبداية التاريخ العماني تتابعا إلى يومه، ولذا قد يكون احمد عبيدلي محقا في رأيه بان العوتبي كان قد اهتم بالأنساب عامة فإننا نجد تلك التفاصيل الهامة مبثوثة بين بقية الأخبار ولا يتناسب مع ما يخصصه لبقية الأنساب من أجزاء لأخبار الأزد مع ما يخصصه لبقية الأنساب ولربما كان متسقا في ذلك مع طبيعة موضوع الأنساب كما يتناوله المؤرخون المسلمون مما يجعل ذلك الكتاب ينتمي إلى ذلك الحقل بشكل عام» (61) على أننا حين ننظر في الأسلوب الإنشائي في كتابه فإن ما يهمنا هو القدرة على تجاوز مرحلة النقل والاستطراد في تتابع الرواية الشفوية فهو بالنسبة إلينا كوجه من اوجه الكتابة في عمان خلال القرن 11م. هذا التجاوز يبدأ بمرحلة انتقالية حقيقية في فنية الكتابة سواء من الاقتباسات والمراجع والتصور حيث أراده العوتبي أو بالأحرى يمكن الإشارة إليه بأنه أمكن إيجاد فكرة الكتاب ومحتوياته.

ويزداد هذا التناسق مع مما يدخل في موضوعنا كتابات الأنساب والقبائل بشكل عام ولكن سنتطرق اليها ضمن هذا السياق لنكشف بعض المصنفات المتصلة بنا. فمع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وجدت الكتابات الأوربية عن القبيلة متسعا لها في عمان حيث محور الولاءات بين الشقين المتنافسين الهناوي والغافري وانتقال التحالفات القديمة ما بين يمن ونزار ليكونا هاذين الحلفين هما المسيطران، بدأت متعددة ومتوالية منها بيللى (1863) (62)، ثم مايلز «الخليج بلدانه وقبائله» (63)، كارتر «قبائل عمان» (64).

ففي التصادم الأولي ما بين القبائل اليمانية والنزارية يمكن إيجاد هذا المنظومات الشعرية توضح هذا التنافس على اننا على يقين بان القبائل اليمانية ظلت طوال التاريخ العربي في عمان المحرك للسياسة. وفي نفس السياق المنظومات الأدبية القبلية في إدلائها وإفادتها حول دراسات الشخصية ابتداء من القلهاتي في منظومته «الصحيفة القحطانية» حيث حاول أن يبرز مناقب اليمانية ويبين مثالب النزارية. إلى أن يتضح تأثيرها مع ابن رزيق في منظومتيه «الصحيفة القحطانية» و «الصحيفة العدنانية». لكن المحرك القبلي يبرز في تشكيل هذا المصنفات لتجد من فهرست القبائل العُمانية للشيخ سالم بن حمود السيابي (ت1994) «إسعاف الأعيان في انساب أهل عمان».

لكن هذه المنظومات والفهرسة لا تكشف عن حقائق جوهرية في كتابة التراجم بحيث يمكن اعتمادها للمرجعية الدراسية إلا لماما. لكن الأهم الذي يمكن الاستفادة منه في كتابات الأنساب أنها ولدت نوعا أخر من هذه الفنون الإنشائية وهو من ضمن كتابة الأنساب يمكن الإطلاق علية (الكتابات القبلية وهو الأحرى) أوجدت لتعديد مناقب قبيلة معينة لكنها توفر لنا قوائم في تراجم ومشاهير القبائل بصورة إجمالية فهي تعنى إلى إبرازها سواء من ساسة أو أدبا أو علماء أو قضاة … ونحوه. فعلى نحو تسلسلي تبلورت مع «نبذة في تاريخ المعاول» (65) لأبي راشد محمد بن عامر بن راشد المعولي (ق 18) و «تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين» (66) لشيخ إبراهيم بن سعيد العبري (ت1974) إلى «الموجز المفيد نبذ من تاريخ البوسعيد» (67) للسيد حمد بن سيف البوسعيدي (ت1998)، وكذلك القسم الأول من «اللؤلؤ الرطب» (68) للشيخ سعيد بن حمد الحارثي، ومن قبل ولو بالإشارة بدأت في الواقع من «الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين» لابن رزيق ولكنه كان يعنى بالكتابة التاريخية الشاملة لتاريخ اكثر من كتابة التراجم فهو يركز على الأحداث السياسية في نطاق الأسرة الحاكمة. وللدلالة على فنية هذه الكتابة لو أردنا الربط بين مؤلفيها سنجد انهم قد سلكوا خطي متشابه فهم علماء وقضاة وذو نفوذ في أسرهم أي إن المراد من تصنيفها هو الحفظ والتعريف بمشاهير القبيلة وليس وضع قواميس خاصة يمكن الاستناد إليها، لكن تصنيفه الذي وضعه السيد حمد بن سيف البوسعيدي اكثر تنسيقا ووضوحا فبدأ القسم الأول منه بالأئمة والسلاطين البوسعيديين لعمان وزنجبار ثم العلماء والفقها ثم الشعراء، وعليه فان ما يمكن أن نشير إليه في هذا السرد هو التأثير القبلي في الثقافة العُمانية ككل وتأثيرها يمكن تلمسه بوضوح ليس في الكتابات التاريخية بل الفقهية والأدبية على حد سواء. لكن من حيث المسلك فان الخطى متقاربة إلى حد ما وهم بذا يعكسون تأثيرات سابقة من عوامل محلية في كتاباتهم أي بمعني إن أساليبهم لابد إنها كانت ذات منشأ محلي بدون مؤثرات خارجية.

VIII- كل ما سبق يمكن تلخيصه في أن ثمة تغيرا في أسلوبية الكتابة في عمان أخذ في التشكل مع منتصف القرن الثامن عشر كانت بداية في مؤشرات للانتقال. هذا الانتقال ظل متمحورا ومتأثرا بالثقافة المحلية العُمانية وتستقي من نفس الكتابات التقليدية في القرن 7|13 فهي لم تتأثر بفنية الكتابة التراثية العربية بشكل واسع كوجود المختصرات والتذييلات والشروح على هذه المصنفات. وكذا المسلك من نوعي الكتابة وأساليبها: النظم والنثر تطورت وواكبت انتقالات تدريجية لكنها في الوقت نفسه ظلت المحافظة عليها إلى وقتنا هذا. ولا ندري أن تكون الكتابة الكلاسيكية في قواميس البيوغرافيا انتهت مع الخصيبي والبطاشي. إن ما يمكن التوصل إليه إن هذه القواميس هو إنها تعكس اوجها متعددة للتغيرات الثقافية والاجتماعية لعمان وتبرز ملامح تيارات وأيدلوجيات مختلفة سواء قومية أو دينية أو تقليدية في تشكيل هذه الكتابة في

٣١٧ / ٣٥٢