مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... مقامات الخليلى قرإة في مخطوطة عمانية معاصرة لـ؟؟؟

الجزء ٣٣ · صفحة ٢

وفن المقامة في النثر العربي، فن وسط بين القصصي المكثف، والقصصي المطول، ويمثل النمط الأول فنونا مثل الحكم والأمثال والتوقيعات، وقد عرقت على فترات متعاقبة، وانتمى بعضها الى عصر الكتابة كالتوقيعات، بينما انتمى البعض الآخر الى عصور المشافهة كما هو الشأن في الحكم والأمثال، ولكن التكثيف والايجاز، كان هو الطابع المميز لهذه الفنون القصصية، تسهيلأ لحفظ النثر الذي لا يمتلك خواص الشعر في التعلق بجدران الذاكرة في عصور المشافهة، واحتراما لهيبة الحكام وأولي الأمو الذين كانت تصدر عنهم التوقيعات، وهم لا يميلون في كل العصور إلى البسط والايضاح، وفي الطرف الآخر، كان يوجد فن القصص المطول، فمثلأ في الحكايات والمواعظ والملاحم، ويكاد يلفت النظر ترك هذا الفن لأدباء الشعب، أو أدباء العامة، فلم تهتم العربية بالقصص الطويل على يد أدباء معروفين، كما كان الشأن مع "هوميروس " في الأدب اليوناني، و "فيرجيل " في الأدب اللاتيني، وانما ظل مؤلفو هذه القصص الطويلة اما مجهولين كما هو الشأن في ملاحم عنتره وأبي زيد الهلالي، وألف ليلة وليلة أو منتمين الى طبقات الوعاظ والقصاصين، وكانوا كذلك شبه مجهولين، أو الى طبقات الرحالة الجغرافيين ومؤلفي كتب العجائب والغرائب والمسالك والممالك، ولم يجر الاهتمام بدراسة آثار أولئك جميعا في اطار تطور النص الأدبي.

المقامة إذن كانت الغالب الوسط، بين كثافة المثل، وترهل الحكاية، ولم تكن معروفة منذ بداية الفن القصصي العربي، وانما عرفت في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وازدهرت في القرن الرابع، ولم تعد قضية نشأة المقامات، وارتباطها بابن دريد الأزدي، أو ابن دريد العماني كما كان يسميه المؤرخ "المسعودي "، لم تعد هذه القضية تحتاج الى مزيد من المناقشة، فهي مثارة بين دارسي الأدب منذ القرن الخامس الهجري، وقد وردت الاشارة اليها في كتاب زهر الآداب للحصري القيرواني المتوفى عام 453 5، عندما قال عند حديثه عن بديع الزمان الهمذاني "ولما رأى أبا بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي أغرب بأربعين حديثا، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنتجها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر وأهداها للأفكار والضمائر. .. . عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية تذوب ظرفا وتقطر حسنا" .. ، وقد أشرنا في دراسة مفصلة أخرى الى العلاقة بين أحاديث ابن دريد ومقامات بديع الزمان.

أنظر كتابتا: "ابن دريد الأزدي " وتأثيره في الدرس والنص الأدبي، الهيئة العامة للرياضة والأنشطة الشبابية - سلطنة عمان 1992 م).

لكن الذي يمكن أن يثار حول التساؤل من جديد هو مدى تأثير نمط الأدب القصصي عند عرب جنوب الجزيرة، وابن دريد وأحد منهم، على نشأة وامتداد فن المقامة في الأدب العربي، ومقاومة هذا الفن لعوامل الفناء، حتى إن واحدا مثل الشيخ عبدالله الخليلي يواصل الكتابة على هذا النمط حتى العصر الحديث، قد لا يكون من المصادفة أن يكون أول كتاب المقامات من عمان وأن يكون آخرهم من عمان كذلك، وأن يمتد هذا الفن بين ابن دريد والشيخ عبدالله الخليلي، ليشهد مقامات للغشري وابن رزيق والحارثي وغبرهم من الكتاب الذين فقدت مقاماتهم أو ما تزال حبيسة المخطوطات.

ان ذلك التساؤل نفسه يمكن أن يمتد الى طبيعة الحوار الممتد والتأثير والتأثر المتبادل بين النتاج الأدبي في شمال الجزيرة العربية وجنوبها منذ أقدم العصور، وهو نتاج كان يحمل مذاقا متميزأ لكل طرف دون شك، وان كانت كثير من الملامح الخاصة، قد ذابت في مليح اللغة الأدبية المشتركة، التي جرت كثير من التساؤلات حول مدى تطبيقها الصارم في العصر الجاهلي، وليست قضايا الانتحال واثارتها منذ عصر ابن قتيبة وابن سلام الى عصر طه حسين الا جانبا من جوانب هذه القضية المتعددة إلأطراف.

ان كثيرا من النقاش حول حوار أدب الجنوب والشمال في القديم دار حول الشعر، ولكن النثر القصصي لم يحظ بقدر كاف من النقاش، مع أف كثيرا من روايات النثر القصصي القديم قبل المقامة يرد إسنادها الى شخصيات من الجنوب، فيجرى الحديث عن ملك حمير أو عن قيل من أقيال اليمن أو عن مرثد الخير بن نيكف بن معد يكرب، أو ذى جدن،

٣٤٧ / ٣٥٢