مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... مقامات الخليلى قرإة في مخطوطة عمانية معاصرة لـ؟؟؟

الجزء ٣٣ · صفحة ٦

بشري أكثر مما ترسبت مجموعة من الأسس المعنوية على النحو الذي يحدث في مقامات التجسيد الجماعي، ولم يكن النجاح الكبير لمقامات بعينها مثل المقامة المضيرية لبديع الزمان، الا من خلال التجسد الصارخ لشخصية الضيف المسكين الذي وقع ضحية مضيف ثرثار يصف له تفاصيل كل شيء في البيت والأثاث والخدم، ويهمل تقديم الطعام والكف عن الكلام، وعندما يهم بوصف المضيرية، الطبق الذي يحلم به الضيف، يولي الضيف الأدبار هاربا قبل أن يحطم الوصف رأسه، وشخصية الاعرابي الساذج الغفل التي رسمتها المقامة البغدادية، وتركته يقع فريسة لبغدادي متحضر، قاده الى مطعم للشواء على أنه بيته، وتركه بعد الطعام فريسة لصاحب المطعم القاسي " شخصية اكسبت المقامة قيمتها من خلال التجسيد ذى الطابع الفردي، وحققت من خلال ذلك، ما لم تحققه مقامات بديع الزمان الأخرى، ذات الطابع الجماعي في التجسيد. والواقع ان مقامات الخليلي تتراوح بين هذين النمطين من التجسيد الفردي أو الجماعي، فعندما يتم في أحد مواقف المقامة النزوية جسيد مواقف السبق الحضاري للحضارة الاسلامية، وتجسيد بطولات الرجال الذين شادوا هذه الحضارة من خلال مواقف بطولية يتم اللجوء إلى رسم المشهد لجماعي الملحمي، اكثر من اللجوء الى رسم الموقف الفردي القصصي، مثل قوله في أحد المواقف:

"عشقوا الموت في سبيل الله، فألقت اليهم أزمتها الحياة، ووالوا في الله كل من والاه، وعادوا فيه كل من عاداه، أقرب القريب اليهم، من صدق ايمانه، لو كان من قوم عدولهم، وأبعد البعيد من ظهر لله عدوانه، لو كانوا أباءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم، اذا انتصروا لا يعجبون، واذا ملكوا لا يستعلون، واذا حكموا لا يجورون، واذا كان عليهم الحق لا يأنفون ".

من مظاهر المراوحة في مقامات الخليلي، الانتقال بين مظاهر الحياة القديمة مظاهر الحياة الحديثة، واذا كنا قد رأينا في النص الذي اقتبسناه من مقدمة "المقامة اللغوية" كوكبة الفرسان وهي تصعد من سمائل الى جرنان، وأقصى ما تبلغ بها السرعة أن تكون كالظيلم وطثا، أي كذكر النعام في سرعة ضربه الأرض بحوافره، فان مشهدا مقابلا للحياة المعاصرة تطالعنا به صدر "المقامة التساؤلية"، حيث السيارة الفارهة وألانثى الجميلة الحاسرة، التي ترد مجالس الرجال، وتطرح السؤال تلوالسؤال، وترد حكايتها أيضا على لسان نفسى الراوي وتلتقي بنفس البطل، مفتتح المقامة التساؤلية:

"أخبرني ابو الصلت الشاري بن قحطان، قال خرجت مرة لبعض الشأن، وكنت على سيارة فخمة المظهر، أنيقة المنظر، متينة المخبر، ان ركبتها قرت، وان وطئتها فرت، فكنت أجوب بها الطرقات، لقضاء بعض الحاجات، حتى انتهيت بطريقي، أمام محل لصديقي، فأوقفت هنالك رحلى لأذرع الطريق رجلي، فبينما كنت -أحاول اجتياز الطريق العام .. .. إذا بيد تقبض على كتفي من الخلف، ونفحة يهيمن على الروح ما بها من العرف فنظرت فاذا فلقه قمر، ونشقت فاذا نسمة سحر، فبقيت ساعة لا أفهم خطابا، ووقفت حائرا لا أحير جوابا، حتى زالت الدهشة، وعادت الهشة، فقلت ما الشأن، وهل أنت من بني الانسان، أم من عباقرة الجان. .. فقالت دعك من الفلسفة، وهلم بنا الى رحاب المعرفة ".

إن هذا المدخل للمقامة التساؤلية مع ما فيه من تنوع مناخ الحياة الذي أشرنا اليه، يقودنا الى مقامة تختلف بدورها عن المناخ السائد في مقامات الخليلي، وهو مقام المدن العمانية التي تدور حولها المقامات الست، ان المقامة التساؤلية تشغل قضية المعرفة والمعرفة عند النساء خاصة، وهي تقدم نموذج المرأة العالمة التي تتغلب على علماء الرجال بما تطرح من أسئلة فتثير حيرة وإعجابا بالقوة غير المتوقعة، وغالبا ما يصحب ذلك جمال آسر أيضا، وهذا النموذج عرفه التراث الأدبي العربي وان كان في خارج المقامة، عرفه القصص الشعبي، وحفظت لنا حكايات الف ليلة وليلة قصة شهيرة من هذا النمط هي حكاية "تودد الجارية" التي صمدت في مجلس الرشيد لحوار طويل مع كوكبة من العلماء في مختلف التخصصات.

والخليلي يعيد الينا هذه الصورة في مقامته التساؤلية، في الحوار بين الحسناء والشيخ، فهي حينا تسأله عن رأيه في أبيات من الشعر وحينا تسأله عن رأيه في شاعر تبدو لديه رقة القول، وصرامة الفعل، وكأنه بذلك يثير قضية رئيسية تشغل مقاماته، وهي ما يمكن أن يسمى بأزمة الشاعر الفقيه، الذي يعرف مواطن الجمال وبواعته، وطرائق التعبير عنه

٣٥١ / ٣٥٢