مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد ... مقامات الخليلى قرإة في مخطوطة عمانية معاصرة لـ؟؟؟

الجزء ٣٣ · صفحة ٥

إثبات آن لا تعارض بين هذين اللونين من المشاعر، ويقدم الخليلي في مفتتح المقامة الزوية صورة لملامح البطل حين يقول على لسان الراوي ابو الصلت الشاري بن قحطان:

" فلما وقفت منه على السارية الكبيرة لأصلي ركعتين تحية المسجد قبل الظهيرة، لم أكد أنفتل من صلاتي وأكمل تحياتي، حتى رأيت شيخا عليه سمة الوقار، وسمت الصالحين، يعلوه الخشوع والانكسار لله رب العالمين، وكأنما أمسك بيده اليمنى ناصية الجنة فتهلل وجهه نورا يغشى الناس والجنة، وكأنما دفنت يده اليسرى والعياذ بالله في بؤرة النار، فبكى وأبكى من حوله خوفا من دار البوار، وهو يهيب بالناس اليه، ويجمعهم لديه في لسان زلق، وصوت صهر لصق " والناس اليه كالسيل الجارف، والحلقة تجمع الجاهل والعارف ". ولعل هذا النص يقدم الى جانب رسم ملامح البطل، فكرة عن لغة المقامة وهي لغة كانت دائما ذات طبيعة خاصة، تختلف عن لغة الشعر من ناحية وعن لغة الأجناس النثرية الآخرى كالرسالة والمقالة والرواية من ناحية أخرى، وبقدر ما كانت لغة المقامة، التي تميل الى الغرابة، سببا لشهرتها وتوجيهها الى أهداف تعليمية في عصور كثيرة، بقدر ما كانت سببا في جفاف العناصر القصصية في المقامة وضمورها عصرا بعد عصر حتى أوشكت على الاختفاء، والواقع أن لغة المقامة عند الخليلي كانت تعمد أحيانا الى استعراض المهارات اللغوية، وحشد الكلمات الغريبة، وخاصة في تلك المقامات التي تكون اللغة نفسها هدفا لها، كما حدث في المقامة الثالثة، التي تحمل عنوان لما المقامة اللغوية مما حيث احتشدت الكلمات الغريبة المتتالية لدرجة اضطر معها المؤلف لآن يضع للصفحة الأولى من المقامة وحدها خمسة وأت بعين هامشا لتفسير الكلمات الغريبة وتبدأ هذه المقامة على النحو التالي.

"حدثني ابو الصلت الشاري بن قحطان، قال خرجت من سمائل الى جرنان، وكنت في كوكبة من الفرسان، وكانت السكة نائبة، والشكة واهية، والريض خالية، حتى لنكاد نزرد الردعة، منحدرة لا يحس بها اللثغة، حتى أشرفنا على واد بهور، وكان الجن كنهور، فما إن حططنا به الرحال، أو كدنا ننيخ الجمال حتى نزلت علينا سماؤه " وزلفت بنا صفواؤه، فرأفنا القلص حثا فزأزأت بنا كالظيلم وطثا". ونحن في مقطع كهذا، نجد أنفسنا مع لغة تاريخية، ليسر القص هدفها ولا القارىء العصري طرفها الآخر الذي يوجه اليه الخطاب، وانما تتحول اللغة نفسها بطياتها التاريخية وتراكماتها في بطون الكتب والمعاجم " الى مجال للحركة يكاد في بعض الأحيان أن يشكل دائرة خاصة محكمة الأطراف.

والمقامات الست التي بجن آيدينا تتراوح لغتها بين هذين المستوين اللذين رأينا واحدا منهما في صدر المقامة النزوية، ورأينا الآخر في صدر المقامة اللغوية، كما يتم التراوح كذلك بين ملمحين فنيين آخرين هما السردية الخطابية، والدرامية القصصية، فعلى حين تجنح بعض المواقف الى صب المضامين التي يراد ايصالها من خلال خطبة مباشرة، أو حديث يكاد يتوجه الى القارىء، تعمد مواقف أخرى الى التخفيف من حدة السرد بالتركيز على لمسات في وصف الموقف، والاقتراب من الوسائل القصصية، على حساب الوسائل الخطابية كما جاء في المقامة النزوية، عندما تقطع المقامة خطبة مسترسلة للراوي، لكي تقول:

"وهنا صعق الخطيب، ولم يكد يتكلم، فوقفت انظر اليه، والى الدموع من عينيه وكأنها السحاب المنهمر، أو السيل المنحدر، فبقى كذلك هنيهة والناس من حوله ينتحبون، حتى أفاق وقال ة " انا لله وإنا اليه راجعون " ثم عاد الى خطبته واستمر في القاء كلمته فقال:

وهذا اللون من المراوحة بين النزعة الخطابية: والنزعة القصصية يكسر من فكرة الهدف التعليمي المباشر قليلا، ويجعل مفهوم الحدث القصصي ادرامي يجد سبيله الى التجسد بين الحين والآخر. على أن هذا الحدث الدرامي في ذاته تتفاوت درجات التجسيد داخله بين تجسيد ذى طابع فردي يجعل الحدث عادة أقرب الى المجال القصصي، وتجسيد ذى طابع جماعي ينمو بالحدث منحى خطابيا وتلك واحدة من الملامح التي تردد حولها فن المقامة العربية منذ بداياته، وظلت نقاط القوة الفنية بارزة في مقامات التجسيد الفردي، التي تترك قارئها أو سامعها بعد الانتهاء منها وقد ترسب في ذهنه نموذج

٣٥٠ / ٣٥٢