حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك
الجزء ١ · صفحة ٢١٧كأنه من كلى مفرية سرب
وقال امرؤ القيس:
كأن الحصى من خلفها وأمامها … إذا نجلته رجلها حذف أعسرا
كأن صليل المرو حين تشذه … صليل زيوف ينتقدن بعبقرا
قوله: حذف أعسرا يريد أنه يذهب على غير قصد. وقوله: صليل زيوف يقال: إن الزائف شديد الصوت صافيه.
وقال آخر:
كأن يديها يدا ماتح … أتى يوم ورد لغب زرودا
يخاف العقاب وفي نفسه … إذا هو أنهل ألا يعودا
يقول: هذا الساقي يخاف العقاب إن قصر، ولا عودة له إليه ثانية، فهو يستقي سقية في مرة واحدة.
وقد أكثروا في هذا، فمن الإفراط في السرعة قول ذي الرمة:
كأنه كوكب في إثر عفرية … مسوم في سواد الليل منقضب
يقال: عفرية وعفرية في معنى واحد، والتاء في عفريت زائدة، وهو ملحق بقنديل، يقال: فلان عفرية زبنية. والزبنية: المنكر، وجمعه زبانية، وأصله من الحركة، يقال: زبنه، إذا دفعه، ويقال : عفرية نفرية، على التوكيد، وعفريت نفريت، ويقال: عفارية، ولم يتبع بنفارية .
ومن الإفراط قول الحطيئة:
وإن نظرت يوماً بمؤخر عينها … إلى علم بالغور قالت له ابعد
ومن الإفراط قوله:
بأرض ترى فرخ الحبارى كأنه … بها راكب موف على ظهر قردد
ومن ذلك قوله:
وكادت على الأطواء أطواء ضارج … تساقطني والرحل من صوت هدهد
وقال آخر:
مروح برجليها إذا هي هجرت … ويمنعها من أن تطير زمامها
وقال الشماخ:
مروح تغتلي في البيد حرف … تكاد تطير من رأي القطيع
وكذلك الأعرابي الذي يقول:
لو ترسل الريح لجئنا قبلها
وقد مضى خبره.
وأملح ما قيل في هذا المعنى وأجوده قول امرئ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها … بمنجرد قيد الأوابد هيكل
فجعله للوحش كالقيد.
وحدثت أن رجلاً نظر إلى ظبية ترود، فقال له أعرابي: أتحب أن تكون لك؟ قال: نعم، قال: فأعطني أربع دراهم حتى أردها إليك، ففعل، فخرج يمحص في إثرها، فجدت وجد، حتى أخذ بقرنيها، فجاء بها، وهو يقول:
وهي على البعد تلوي خدها … تريغ شدي وأريغ شدها
كيف ترى عدو غلام ردها
قال أبو العباس: ومن حلو التشبيه وقريبه، وصريح الكلام وبلغيه قول ذي الرمة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته … وقد جللته المظلمات الحنادس
الحندس: اشتداد الظلمة، وهو توكيد لها، يقال: ليل حندس، وليل أليل، كما يقال: ليل مظلم.
وقال الشماخ في صفة الفرس:
مفج الحوامي عن نسور كأنها … نوى القسب ترت عن جريم ملجلج
قوله: مفج الحوامي يريد مفرق الحوامي، فالحوامي: نواحي الحافر. والنسور، واحدها نسر، وهي نكتة في داخل الحافر، ويحمد الفرس إذا صلب ذلك منه، ولذلك شبه بنوى القسب ، وترت: سقطت. والجريم: المصروم، والملجلج: الذي قد لجلج مضغاً في الفم، ثم قذف لصلابته.
وقوله: مفج ليس يريد الذي هو شديد التفرقة، ولكن الانفصال عن النسر، فإنه إن اتسع واستوى أسفله فذلك الرحح ، وهو مذموم في الخيل، وكذلك إن ضاق وصغر قيل له: مضطر، وكان عيباً قبيحاً. قال حميد الأرقط:
لا رحح فيها ولا اضطرار … ولم يقلب أرضها البيطار
ولا لحبليه بها حبار
الحبار: الأثر . ويروى: ولم يقلم ، وتأويل ذلك: أن حوافرها لا تتشعث فيقلمها البيطار، لأنها إذا كانت كذلك ذهب منها شيء بعد شيء فمحقها. وقال علقمة بن عبدة:
لا في شظاها ولا أرساغها عنت … ولا السنابك أفناهن تقليم
وإنما يحمد الحافر المقعب، وهو الذي هيئته كهيئة القعب، وإن كان كذلك قيل: حافر وأب . قال ابن الخرع :
لها حافر مثل قعب الوليد … يتخذ الفأر فيه مغارا
يريد: لو دخل الفأر فيه لصلح، كقول القائل: فأتى بحفنة يقعد عليها عشرة، أي لو عقد عليها عشرة لصلح. وقال الراجز:
وأب حمت نسوره الأوقارا
يقال: حافر موقور، وهو أن يصيبه داء يشبه الرهصة وفي كل حافر حاميتان. وهما حرفاه من عن يمين وشمال، ومقدمه السنبك، ومؤخره الدابرة.
مثل قوله: عن جريم ملج قول علقمة بن عبدة: