الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك

الجزء ١ · صفحة ٢١٨

سلاءة كعصا النهدي غل بها … ذو فيئة من نوى قران معجوم

شبهها بالشوكة من شوك النخل؛ لأن الفرس الأنثى يخمد منها أن يدق صدرها وينخرط على امتلاء إلى مؤخرها، والحمام يحمد منهن أن يعرض الصدر ثم ينخرط إلى ذنبه ضموراً، فيقال في صفته: كأنه جلم.

وقوله: كعصا النهدي، يريد في الصلابة، كما قال:

وكل كميت كالهراوة صلدم

وقوله: ذو فيئة من نوى قران يقول: ذو رجعة، يقول: مضغته الإبل فلم تكسره ثم بعرته صحاحاً. ومعجوم: ممضوغ، يقال: عجمته أعجمه عجماً إذا مضغته، فالعجم، ويقال للنوى من كل شيء: العجم، متحرك الجيم ، قال الأعشى:

وجذعانها كلقيط العجم

وقال النابغة:

فظل يعجم أعلى الروق منقبضاً … في حالك اللون صدق، غير ذي أود

ومثل البيت الأول قول عقبة بن سبق العنزي:

له بين حواشيه … نسور كنوى القسب

فهذا تشبيه مقارب جداً.

ومن التشبيه الحسن قول الشاعر :

كأن المتن والشرخين منه … خلاف النصل سيط به مشيج

يريد سهماً رمي به فأنفذ الرمية وقد اتصل به دمها، والمتن: متن السهم، وشرخ كل شيء: حده، فأراد شرخي الفوق، وهما حرفاه. والمشيج: اختلاط الدم بالنطفة، وهذا أصله، قال الشماخ:

طوت أحشاء مرتجة لوقت … على مشج سلالته مهين

وقال الله جل وعز: " من نطفة أمشاج نبتليه " " الإنسان: 2 " ، وفي الحديث: " اقتلوا مسان المشركين واستبقوا شرخهم " ، أي الشباب، لأن الشرخ الحد، قال حسان بن ثابت:

إن شرخ الشباب والشعر الأس … ود ما لم يعاص كان جنونا

قال أبو العباس: وأنشدنا عمرو بن مرزوق. قال أنشدنا شعبة. قال: أنشدنا سماك بن حرب في هذا الحديث:

إن شرخ الشباب تألفه البيض … وشيب القذال شيء زهيد

فأما قول الشنفرى:

كأن لها في الأرض نسياً تقصه … على أمها وإن تحدثك تبلت

فإنما أراد شدة استحيائها، يقول: لا ترفع رأسها، كأنها تطلب شيئاً في الأرض.

والنسي على ضربين: أحدهما ما تقادم عهده حتى ينسى، والآخر ما أضله أهله فيطلب ويطمع فيه. وتقصه: تتبعه، قال الله جل وعز: " وقالت لأخته قصيه " " القصص: 11 " ، أي اتبعي أثره، والأم: القصد.

وقوله: وإن تحدثك تبلت، تقطع الحديث لاستحيائها.

وأنشد بشار بن برد الأعمى قول كثير:

ألا إنما ليلى عصا خيزرانة … إذا غمزوها بالأكف تلين

قال: فقال: الله أبو صخر! جعلها عصا، ثم يعتذر لها! والله لو جعلها عصا من مخ أو زبد لكان قد نجنها بالعصا، ألا قال كما قلت :

وبيضاء المحاجر من معد … كأن حديثها قطع الجنان

إذا قامت لسبحتها تثنت … كأن عظامها من خيزران

والخيزرانة: كل غصن لين يتثنى، ويقال للمردي: خيزرانة؛ إذا كان تثنى إذا اعتمد عليه، قال النابغة:

يظل من خوفه الملاح معتصماً … بالخيزرانة بعد الأين والنجد

الأين: الإعياء، والنجد: العرق .

وقد عاب بعض الناس قول كثير:

فما روضة بالحزن طيبة الثرى … يمج الندى جثجاثها وعرارها

بمنخرق من بطن واد كأنما … تلاقت به عطارة تجارها

بأطيب من أردان عزة موهناً … وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها

وحكى الزبيريون أن امرأة مدينية عرضت لكثير فقالت: أأنت القائل هذين البيتين؟ قال: نعم، قالت: فض الله فاك! أرأيت لو أن زنجية بخرت أردانها بمندل رطب أما كانت تطيب! ألا قلت كما قال سيدك امرؤ القيس:

ألم تر أني كلما جئت طارقاً … وجدت بها طيباً وإن لم تطيب

قوله: جثجاثها وعرارها الجثجاث: ريحانة طيبة الريح برية؛ من أحرار البقل؛ قال جرير يهجو خالد عينين العبدي:

كم عمة لك يا خليد وخالة … خضر نواجذها من الكراث

نبتت بمنبته فطاب لريحها … ونأت عن القيصوم والجثجاث

وإنما هجاه بالكراث، لأن عبد القيس يسكنون البحرين، والكراث من أطعمتهم، والعامة يسمونه الركل والركال، قال أحد العبديين:

ألا حبذا الأحسا وططيب ترابها … وركالها غاد علينا ورائح

٢١٨ / ٣٣٦