الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

حديث أبي النجم العجلي مع هشام بن عبد الملك

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

وقول كثير: وعرارها فالعرار البهار البري، وهو حسن الصفرة طيب الريح، قال الأعشى:

بيضاء ضحوتها وصفراء العشية كالعراره

وقوله: موهناً يريد بعد هديء من الليل ، يقال: أتانا بعد هديء من الليل، وبعد وهن من الليل ، أي بعد دخولنا في الليل، وأنشد أبو زيد:

هبت تلومك بعد وهن في الندى … بسل عليك ملامتي وعتابي

والمندل: العود. يقال له: المندل والمندلي. قال الشاعر :

أمن زينب ذي النار … قبيل الصبح ما تخبو

إذا ما خمدت يلقى … عليها المندل الرطب

قال أبو العباس: ذي معناه ذه يقال: ذا عبد الله، وذي أمة الله، وذة أمة الله، وته أمة الله، وتا أمة الله؛ فإذا قلت: هذا عبد الله: فالإسم ذا وها للتنبيه. وعلى هذا القول : هذي أمة الله وهذه أمة الله . وإن شئت أسكنت في الوصل فقلت: هذه أمة الله. وإذا قلت: هذهي أمة الله. فالياء زائدة. لأن هذه الهاء لما كانت في لفظ المضمر شبهوها به في زيادة الياء. نحو: مررت بهي يا فتى! ولا يجوز أن تضم الهاء في هذه على قول من قال: مررت بهو، لأن هاء الإضمار أصلها الضم. تقول: رأيتهو يا فتى، ورأيتهم يا فتى! وهذه الهاء ليست من هذه، إنما هي مشبهة وتقول: هاته هند، وهاتي هند، وهاتا هند، على زيادة ها للتنبيه. قال جرير:

هذي التي جدعت تيماً معاطسها … ثم اقعدي بعدها يا تيم أو قومي

وقال عمران بن حطان:

وليس لعيشنا هذا مهاه … وليست دارنا هاتا بدار

قال أبو العباس: النحويون يثبتون الهاء في الوصل فيقولون: مهاه. وتقديره: فعال. ومعناه اللمع والصفاء . يقال: وجه له مهاه يا فتى! والأصمعي يقول: مهاة. تقديرها حصاة. يجعل الهاء زائدة. وتقديرها في قوله فعلة والمهاة: البلورة. والمهاة: البقرة والوحشية، وجمعها المها .

فإذا صغرت: ذه قلت: تيا، كأنك صغرت تا. ولا تصغر ذه على لفظها، لأنك إذا صغرت ذا قلت: ذيا. فلو صغرت ذي فقلت: ذيا، لالتبس المؤنث بالمذكر، فصغروا ما يخالف فيه المؤنث المذكر.

وهذه، المبهمة يخالف تصغيرها تصغير سائر الأسماء. وسنذكر ذلك فيباب نفرده له إن شاء الله.

عاد القول إلى التشبيه.

أنشدتني أم الهيثم في صفة جمل:

كأن صوت نابه بنابه … صرير خطاف على كلابه

أرادت الصريف، وهو أن يحك أحد نابيه بالآخر.

وقوله: صرير خطاف على كلابه فالخطاف ما تدور عليه البكرة. والكلاب ما وليه.

وقد قال النابغة:

مقذوفة بدخيس النخض بازلها … له صريف صريف القعو بالمسد

القعو: ما تدور عليه البكرة إذا كان من خشب، فإن كان من حديد فهو خطاف. وإن دارت على حبل فذلك الحبل يسمى الدرك.

وقوله: مقذوفة يقول: مرمية باللحم. والدخيس: الذي قد ركب بعضه بعضاً. والنخض: اللحم. وبازلها: نابها. ومعنى بزل، وفطر، واحد: وهو أ، ينشق الناب. قال ذو الرمة:

كأن على أنيابها كل سدفة … صياح البوازي من صريف اللوائك

يقول: مما تلوكه. ويقال في الغضب: تركت فلاناً يصرف نابه عليك ويحرق ويحرق. ورأيته يعض عليك الأرم، قال زهير في مدح حصن بن حذيفة :

أبي الضيم والنعمان يحرق نابه … عليه فأفضى والسيوف معاقله

وقال آخر:

نبئت أحماء سليمى أنما … ظلوا غضاباً يعلوكون الأرما

وقال بعض النحويين: يعني الشفاة. وقال بعضهم: يعني الأصابع.

فأما قولهم: عض على ناجذه وهو آخر الأسنان، فيكون على وجهين: أحدهما أنه قد احتنك وبلغ، والآخر: أن يكون للإطراق والتشدد.

ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا لقيتم القوم فاجمعوا القلوب وعضوا على النواجذ، فإن ذلك ينبي السيوف عن الهام.

ثم نعود إلى التشبيه.

قال الراجز :

كأنها حين بناها الباس … جنية في رأسها أمراس

بها سكون وبها شماس … يخرج منها الحجر الكباس

يمر لا يحبسه حباس … لا نافذ الطعن ولا تراس

٢١٩ / ٣٣٦