البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

الصغيرة:

الجزء ١ · صفحة ٥٢١

واضح أن هذا الموقف مردود لأنه يتعارض وما جاء في القرآن الكريم من نصوص صريحة تثبت ذكر الصغائر من ذلك قوله تعالى: ( كل صغير وكبير مستطر) (54 القمر53) وقوله تعالى: ( ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (18 الكهف49) وقوله تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (53 النجم32).

وقد انتبه التلاتي إلى القضية فبين أن بعض الأصحاب حمل كلام ابن عباس على خلاف ظاهره ، وهو أن المراد منه توفير المعاصي والترهيب منها لا عدم وجود الصغائر (80) ويستشهد بكلام ابن محبوب المذكور أعلاه (81) في تعريف الصغائر.

فالأساس في هذه التعاريف أن عند الإباضية خلافا في وجود الصغيرة، فجاء قول ينفي وجودها أصلا بناء على حديث ابن عباس ونسب إلى أئمة المذهب بدون تحديد، وجاء قول يقر بوجودها وهو ما عليه جمهور الإباضية إلا أن أهل المشرق منهم والنكار يعتبرون أنها معلومة لكن المغاربة وبعض المشارق يرون أنها غير محددة وعلى هذا المعنى ألح كل من البرادي وأبا عمار وعثمان بن خليفة السوفي. (82)

والملاحظ أن الذين يعتبرون أن الصغائر معلومة يكتفون بذكر بعضها ومن ذلك ما ذكره ابن محبوب، ويذكر السالمي منها الكذب إن خف والرقص واللعب (83) إلا أن الذين يتوقفون عن تعدادها يبينون أن في ذلك حكمة، وهاك توضيح عمرو التلاتي لهذه الحكمة:" وقال أصحابنا… وغيرهم الصغائر كلها غير معلومة لأنه ليس من الحكمة أن يبينها الله تعالى لعباده لأنه لو بينها لهم لاستخفوا بحقه تعالى، وعصوه بفعلها… فثبت أنها غير معلومة، وأن عدم علمها أولى للعباد وأدخل في زجرهم عن عصيان الله تعالى بوجه من الوجوه لأنهم كلما أرادوا ارتكاب ذنب خافوا كونه كبيرة وتركوه" (84) .

نتبين من هذا حينئذ أن الموقف القائل بجهل الصغائر أقرب إلى الحكمة من التشريع الذي يورد حكم الصغائر ، ويبين السالمي أن للصغائر حكمين:

٥٢١ / ٧٤٦