البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

الأدلة العقلية:

الجزء ١ · صفحة ٦٠٧

وكذلك لا سبيل إلى اعتبار الوعيد مجرد تهديد لأن مثل هذا الموقف يؤدي إلى الجرأءة على المعاصي وانتهاك المحرمات فلا تستقيم الدنيا قبل الآخرة.

هكذا إن انطلقنا في التمهيد للحجج العقلية من تلخيص الإيجي فيحسن أن نختم هذا الاستدلال بما ذكره محمد عبده في هذا الباب منطلقا من واقع المسلمين المرير القائم على مبادئ القائلين بإخلاف الوعيد حيث يقول:" إن كثيرا ممن يدعون اتباع السنة جرأوا الناس على هدم الدين بناء على أن مدار السعادة في الآخرة والنجاة من النار هو الاعتراف بالدين الى حد أن بعض الكبراء قال: إنني لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني مسلم أعترف بحرمته" (107) .

والمتأمل في واقع المسلمين عامة يدرك ما لهذا الرجاء العريض والأمل الواسع في العفو عن مرتكبي الكبائر المصرين عليها إلى الموت من أثر مقيت حيث استهان الناس بجميع الرذائل وانتهكوا الحرمات جهارا، ويعتبر من نفل القول أن نستدل على هذا بما عرفه الأدب من خلاعة ومجون واستهتار.

وإن قالت فرق إسلامية بإنفاذ الوعيد مثل المعتزلة والأزارقة فإنهم انقرضوا مع مر الزمان فالفكر الاعتزالي تسرب إلى كالفكر الإسلامي تقريبا وإن بقي أكثر نصاعة في الفكر الشيعي والفكر الأزرقي لا نستطيع أن نقول فيه القول الفصل إلا انه متهم من قبل خصومه بأنه اعتبر الكبائر من باب الشرك، فلم يبق حينئذ إلا الاباضية ممن يعتقدون إنفاذ الوعيد، وأنت إن تأملت في بيئتهم زمن الازدهار في الظهور أو الكتمان (108) تجد مجتمعا أقر ما يكون إلى الاسلام لأن من يعتقد أنه معاقب لا محالة إن هو لم يتب يكون أكثر احترازا ممن يعتقد انه معفو عنه، وفي أقصى الحالات يعذب قليلا ثم إلى النعيم الأبدي، ولا أبالغ في شيء إذا قلت إن مجتمع ميزاب حيث تطبق أصول الإباضية من أن

نظف المجتمعات الإسلامية في هذا العصر.

٦٠٧ / ٧٤٦