تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

4

الجزء ١٠ · صفحة ١١٨

﴿ فإِذا لقِيتُم الَّذين كَفَروا ﴾ إذا كان صلاح المؤمنين وفوزهم ، وضلال الكفرة وخسرانهم ، مما يوجب ترتب الأحكام عليهم ، كل بما يليق به ، فاذا لقيتم الكفرة فى المحاربة الى قوله : ﴿ بعضكم ببعض ﴾ ورتب على الفريق الآخر قوله : ﴿ والذين قتلوا ﴾ الخ وبدأ بالذين كفروا ، لأن التكليف يكون بمعاجتهم ، وشأن الخلق ، والدنيا التكليف ، وباتباعه يحصل الدين والدنيا ، والعبادة ، ودون ذلك ما هو اخبار بالثواب على ذلك ، فأخر ذكر الثواب ، واللقاء والملاقاة ، أو اللقاء المعبر عن الحرب .

﴿ فَضَرب الرقاب ﴾ فاضربوا الرقاب منهم أولهم ، أو رقابهم ضربا ، فذحذف اضربوا ، وأضيف ضرب للمفعول ، ومثل هذا المصدر نائبا عن عامله ، ولم يرد فائدة عليه ، فليس فيه توكيد ولا بيان نوع باضافته إلا بحسب ظاهر اللفظ ، لأنه ترجمة عن نصب المضاف اليه بالعامل المحذوف قبل الحذف ، والتأخير خلافا لمن ادعى التأكيد ، وضرب الرقاب كناية عن القتل مطلقا ، وخصت الأعناق بالذكر لأنه أشنع قتله ، وأسرع للموت ، إذا أطير الرأس ، أو بقى ملصقا بقليل ، مائلا وكأنه غير صورة آدمى ، وفى الرأس مجمع حواس الانسان ، وهكذا ينبغى أن يكون القتل ، وفيه تشجيع المؤمنين الى هذه القتلة بحسب الامكان .

﴿ حتَّى إذا أثْخنْتُموهم ﴾ أفشلتموهم بشدة القتل وكثرته افاشالا ، كاثخان المائع عن الحركة بضبطه فى اناء ، ومنعه عن الحركة ، يقال ثخن المائع أى سكن عن الحركة ﴿ فشدُّوا الوثّاق ﴾ فاربطوا من بقى منهم فى الحبال ، وجوام الحديد ، ربطا شديدا ، والباقى إما مقبوض عليه وهو صحيح ، أو ضعيف بالجروح ، أو ملقى على الأرض لا يستطيع النهوض ، والوثاق ما يربط به أ يحبس به من حبل أو جامعة ﴿ فإمَّا منّاً بعْدُ وإمَّا فداءً ﴾ إما تمنون منا عليهم بعد الشد ، وإما تفادون فداء ، والمفاداة هنا قبول الفداء أو طلبه ، ولا قتل بعد الإثخان ، بل يمن عليهم بالاطلاق أو بالاستعباد ، وترك القتل ، أو بالفداء ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى فى سورة براءة ، وهى آخر ما نزل فى هذا الشأن : ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ وقوله تعالى : ﴿ فإما تثقفنهم فى الحرب فشرد بهم ﴾ الآية ، قال مجاهد : ليس اليوم مَن ولا فداء ، لكن القتل أو الاسلام .

وقيل : آية براءة فى غير الأسرى ، بدليل أنه يجوز الاسترقاق ، قيل : اما الاسلام واما القتل للافداء ، ولا أسر ، وجاء الحديث بما يفيد أن جريح المشركين وهابرهم يتبع فيقتل ، ولو لم يكن له ملجأ ، ولا من يستعينون به ، وان جريح الموحدين الذين حل قتالهم لا يقتل ، وهاربهم لا يتبع ، ان لم يكن له ملجأ ، وقيل : المن والفداء فى أسرى بدر فقط ، وان الآية فيهم ، وأما غير بدر فلا فداء ولا أسر ، بل القتل ، وقل : يجوز الفداء القتل ، وقيل بظاهر الآية اما فداء واما من لا نسخ فى ذلك ، وبه قال الحسن وابن عمر .

٤٬٦١٨ / ٦٬٠٩٣