تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

1

الجزء ٦ · صفحة ٢٨٢

﴿ يا أيُّها الناسُ اتَّقُوا ربَّكم ﴾ الخطاب الذى حكمه العموم خطاب للموجودين من المكلفين فى حال النزول ، والذي سيوجدن ، أو يسوجد تكليفهم مثل من وجد ، وهو طفل أو مجنون ، وقضى الله حياته ، وذلك تغليب ، وقيل : حقيقة وهو مذهب الحنابلة ، وطائفة من المتقدمين والفقهاء . وقيل : مجاز ، وقيل : خاص بالمكلفين الموجودين حال النزول ، وأما غيرهم فملتحق بهم من الحديث ومن القرآن ، لما جاء فيه بطريق العموم والغيبة ، مثل من فعل كذا ، ومن لم يفعل كذا فله كذا ، وعليه كذا وكذا الخلف فى جمع المذكر السالم جمع صفة ، وواو الجمع تدخل فيه الإناث تغليبا أو حقيقة أو مجاز ، أو لديل آخر من القرآن مثل من فعل أو لم يفعل أو من الحديث .

وقيل الخطاب خاص بأهل مكة ، وعليه فالتقوى ترك الشرك بخلاف غير هذا القول ، فإنها تعم ترك المعاصى مطلقا ، لكن لا مانع من التعميم أيضا فى أهل مكة ، لأن التحقيق خطاب المشركين بالفروع ، ولو كان الأنسب الأمر أولا بالتوحيد ، ولا خلاف فى دخولهن فى نحو الناس والإنسان ، مثل : ﴿ إن الإنسان لفى خسر ﴾ الآية مما لفظه عام ولا علامة تذكيره ولا تأنيث فيه ، ولفظ الرب تغليظ كأنه قيل احذروا عقوبة مالك أمركم ومريبكم .

﴿ إنَّ زَلزْلة السَّاعة شىءٌ عظِيمٌ ﴾ تحريك الأرض الدال على قرب الساعة جدا ، وهى قبل طلوع الشمس من مغربها شىء عظيم ، وهى نفخة الفزع وبعدها نفخة الموت ، وبعدها نفخة البعث ، تموج الوحوش والإنس والجن مختلطين ، وأضاف الزلزلة للساعة لأنها من أشراطها ، وقربها كأنها مجاورة ، كأنه وقعت الزلزلة فى الساعة ، فيكون من إضافة المصدر الى وقته ، أى فى الساعة أو الى فاعله ، على أن المزلزل للأرض هو الساعة مجازا أو الى المفعول به المتجوز به ، كأنه زلزل الله الساعة ، والمزلزل حقيقة هو الله جل وعلا فى ذلك كله ، أو الملك ، وفعله فعل لله سبحانه ، والزلزلة تكون بأمره ملكا موكلا على جبل قاف بتحريك عروق الأرض المتصلة بجبل قاف .

وكذا إذا أراد زلزلة أرض يأمره بتحريك عرق تلك الأرض ، وزعمت الفلاسفة أن الزلزلة باجتماع بخار واحتباسه فى بطن الأرض وغلظه ، مع انتفاء منفذ فقد يكون منه خسف ، وأصوات ونار لشدة اشتعال البخار ، وإن صح فالله جامعه ومخرجه ومزلزل به إذا شاء ، ويناسبه شدة الزلزلة وكثرتها فى الأرض الصلبة بالنسبة الى الرخوة ، ويدل على إرادة نفخة الفزع وجود المرضعة والحامل لقوله تعالى :

﴿ يَوْم تَروْنها تذْهَل كلُّ مرضعةٍ عما أرضعت وتَضع كُل ذات حَمْلِ حَمْلها ﴾ فان كان المراد نفخة البعث كما قال الجمهور فالمراد بذهول المرضعات ، ووضع الحوامل الكناية عن شدة الهول لا حقيقة الإرضاع والوضع ، وهو وجه حسن ، مع أن نفخة الفزع ليست نفس ما يوعدون ، ولا دلالة فيها على البعث .

٢٬٧٨٢ / ٦٬٠٩٣