1
الجزء ٦ · صفحة ٣٥٦﴿ قد ﴾ لتحقيق الإفلاح الذى يتوقعه المؤمنون ﴿ أفلح ﴾ دخل فى الفلاح ، كأصبح دخل فى الصباح ، وأبشر دخل بالبشارة ، والفلاح الفوز بالمقصود ، وقيل البقاء فى الخير ، ومن الخطأ البين تقديم القسم ، مع أنه لا دليل عليه ولا محوج إليه يحوجنا ﴿ المؤمنون ﴾ بالله ورسوله ، وما جاء به بشرط أن يأتوا بما فى قوله :
﴿ الَّذين هُم فى صلاتهم خاشعُونَ ﴾ إلى قوله : ﴿ يحافظون ﴾ وما يتبع ذلك ، أو المؤمنون الموفون بذلك كله وزيادة ، فقوله : ﴿ الذين هم ﴾ الخ مدح لهم ، وهو أولى لأن الأصل اطلاق المؤمن على تاملوفى ، والخشوع التذلل مع خوف ويزاد فى الصلاة إذا فسر خشوعها بترك اشتغال القلب والجوارح بغيرها ، ولو بأمر الآخرة ، وتنكيس الرأس أفضل للخضوع ، أو إقامته أفضل ، لأنها إكمال للقيام ، وهو أصح مع ضم خشوع القلب إليها ، وعن أبى هريرة أن رسول الله A رأى مصليا يعبث بلحيته فقال : « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه » وكان A يرفع بصره إلى السماء فى الصلاة ، فأنزل الله D : ﴿ الذين هم فى صلاتهم خاشعون ﴾ فكان ينكس رأسه فاستدل به على فضل النكس ، وأجيب بأن النكس فى الحديث ترك الرفع إلى السماء ، ولو مع استواء القامة .
وجاء عنه A : « لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء أو لتخطفنَّ » فقيل هذا شامل للأعمى ، ولا شك أنه لا يجوز له ، كما لا يجوز للمبصر ، وفى الأثر : « من رأى السماء عمدا فسدت صلاته ومن غمض عينيه عمداً بلا ضرورة فسدت صلاته » وجاء النهى عنه من طريق ضعيف ، واليهود تفعله ، واستحب بعض قومنا ، لآنه يخضر القلب قالت أم رومان ، وادة عائشة رضى الله عنها : رآنى أبو بكر أتميل فى الصلاة ، فزجرنى حتى كدت أنصرف عنها ، وقال : سمعته A يقول : « يتميلن أحدكم فى الصلاة وليسكن » وفى الحديث : « الاختصار فى الصلاة أى وضع اليد على الخاصرة راحة أهل النار » ، أى راحة فى الصلاة لأهل النار فى الآخرة ، وهم اليهود ، إذ لا راحة فيها ، وقدم فى صلاتهم الفاصلة ، وليلى الإيمان كما أطلق الإيمان عليها فى : ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ ويحوز أن يكون التقديم فى مثل هذا للاعتناء بالمقدم والتشويق للمؤخر لا للحصر ، لأنه هنا بمعنى خاشعون فى صلاتهم لا فى غيرها ، وليس هذا مراد ، أو ليس المعنى فى الحصر فى صلاتهم لا فى بعضها ، لأنه لم يقل فى صلاتهم كلها ، وعلى إرادته يحصل هذا المعنى ، ولو مع التأخير ، وعن عبادة بن الصامت موقوفاً : « يوشك أن تدخل المسجد ولا ترى فيه خاشعاً » وعن حذيفة موقوفاً : « أو ما تفقدون من دينكم الخشوع ، وآخر ما تفقدون الصلاة وتنتفض عرا الإسلام عروة عروة » ويقال الصلاة بلا خشوع جسد بلا روح .