25
الجزء ٧ · صفحة ٤٥٣واتخذ لنفسه سبع فتيان من خيار قومه وألبسهم الحلى وجعلهم وزراءه وأمرهم بالوقوف بين يديه ووضع الكراسى على يمين القبة وشمالها وأرسل إلى الملوك وأقعدهم عليها وأحضر لهم الطعام والشراب وقال لهم : كلوا واشربوا ووضع لهم الصنم على سرير القبة البيضاء وأمرهم بالسجود له من دون الله سبحانه ثم أتوه يوما فسجدوا له فقال : ارفعوا رءوسكم ليس هذا وقت سجود ما الذى دهاكم؟
فقالوا له : دهانا عساكر الفرس فى ثلاثة آلاف فاصفر لونه ووقع مغشيا عليه وسقط التاج عن رأْسه فطيبوه بالطيب ورشوه بالمسك وقالوا : لا يهولونك هذا . ولما أفاق احتجب ثلاثة أيام فى قصره فاجتمع الفتيان فى ليلة عند أكبرهم سنا وقد مر اسمه .
وقيل : إن أكبرهم سنا هو تمليخا اجتمعوا عنده وكان أفصحهم لسانا فى مجلس رخام وأحضر طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا وناموا فخرج تمليخا إلى وسط الدار فكبر ورفع رأْسه إلى السماء فرآها مشتبكة بالنجوم وليس فى وسط الدار إلا الحى القيوم .
فقال تمليخا : ليت شعرى من كوكب هذها لكواكب ، يا ليت شعرى مَن خلق الليل والنهار والشمس والقمر ، يا ليت شعرى مَن أمطر الأمطار وأنبت أوراق الأشجار ، يا ليت شعرى من أرسل الريح وسخر البحر . أعلمى يا نفسى أن لهذه خالقا خلقها وصانعا نصعها ومدبراً دبرها فبكى بكاء شديداً وخرّ ساجداً لمن خلق السماء والأرض ودخل المسجد باكيا وأيقظ أصحابه وقالوا له : يا حبيبنا تمليخا ما الذى يبكيك؟
فقال لهم : إنى تفكرت فى الذى كان من الملك لدقيوس حين اصفر لونه وسط التاج عن رأْسه من الفزع فلو كان إلها كما زعم ما فزع وما هذا شأن إله يعهد ولكن يا أصحابى خرجت إلى وسط الدار فرأيت السماء مشتكبة بالنجوم فعلمت أن لها خالقا خلقها وصانعا صنعها ومدبرا دبرها بقدرته فهل يقدر دقيوس أن يخلق الليل والنهار والشمس والقمر؟! ولكن يا أصحابى تعالوا نعبد الله الذى هو على العرش استوى .
فقالوا له : كيف السبيل إلى عبادة هذا الإله .
فقال لهم : تعالوا نقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له وما جاءت به الأنبياء حق .
فقالوا بأجمعهم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
فقال لهم تمليخا : إذا جَنَّ الليل نخرج إلى هذا الجبل الذى كان حولنا نعبد إلهنا فعسى ربنا أن يغفر لنا ما سلف من ذنوبنا .
فقالوا : نعم إلى ماذا نقيم على الكفر!
فكانوا إذا جَنَّ الليل خرجوا عن منازلهم إلى ذلك الجبل فاشتغلوا فيه بعبادة الله D إلى طلوع الفجر ورجعوا إلى منازلهم .
فأقاموا على ذلك مدة طويلة حتى نحلت أجسامهم واصفرت ألوانهم وسارت الدموع فى خدودهم طرقات من كثرة بكائهم على ما مضى من كثرة عصيانهم لربهم فكانوا يقومون الليل وإذا أقبل النهار يلبسون الحلى والحلل والتجيان ويقومون بين يدى الملك .