كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

باب: بيان استحالة هَذِهِ المعارضة لاستحالة إجماع الأُمَّة عَلَى خطأ

الجزء ١ · صفحة ٢٤٥

<245> الحكم الظاهر إذا صَحَّت البراءة والولاية في الجملة من جميع أعداء الله؛ وكم من عدوٍّ في حكم الظاهر وليٌّ في ولاية الجملة لجميع أولياء الله.

باب: في سكوت النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم والصحابة عن هَذَا الحكم

وَأَمَّا الوجه الرابع المانع من ولاية المحدثين من الصحابة بالحقيقة هو عدم ظهور ذَلِكَ بين المهاجرين، وَإِنَّمَا صار حجَّة مانعة من قبل أَنَّهُ لو كان واجبا لكانوا هم به أقوم؛ لأَنَّهُم كانوا بأحكام الله أعلم، ولكان عندهم أظهر وأعظم ذكرا وأشهر، ألا ترى أَنَّهُم كانوا يفرقون لبعضهم بَعْضًا فضل السابقة والمشاهد الصادقة، مثل بدر وأُحد، حَتَّى كان الاختصاص بشهداء بدر أعلى قدرا، وأجلَّ ذكرا، كُلُّ ذَلِكَ حكم بالظاهر دون الحقائق، فالمشهور أَنَّهُم رَحِمَهُم اللهُ كان عندهم من الوجل والإشفاق ما لا ينبغي أن يكون عند موقن بالرضوان، حَتَّى كان بعضهم يسأل بَعْضًا بعد موت النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم: هل قال فِيهِ شَيْئًا؟ ولقد قيل في حذيفة صاحب السرِّ ما قيل، مع تضعيف بعضٍ لِذَلِكَ، نفيا لاستسرار رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم شَيْئًا من الدين، وليس بمنكر عندنا أن يطلع رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى سعادة أحد أو شقاوته، ثُمَّ لا يُظهر ذَلِكَ، إذ هو ليس من الدين الذي يجب عَلَى الْمُكَلَّفِينَ معرفته، فلا يكون الرسول كاتما شَيْئًا من الدين، فسكوت رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عن هَذَا الحكم أعظم دَلِيل أَنَّهُ لم يكن متعبَّدا بِذَلِكَ، ولم يكن متعبَّدا بإظهاره.

فإن قيل: ما تنكر أن يكون سكوته عنه علما منه بظهور حكمه؟

قلنا: أنكرنا ذَلِكَ من قبل أَنَّهُ لا يخلو أن يكون حكما يلزم علمه ولا يسع جهله أو لا يلزم علمه، فإن كان مِمَّا يجب علمه ويضيق جهله فكيف سكتوا عن إظهاره، وَبِخَاصَّةٍ حيث وقع التنازع والتخطئة بينهم إذ دعا بعضهم بَعْضًا إلى التمسُّك به، ورعوا حقَّ بعضهم بَعْضًا، فهلاَّ قالوا كما قال عَمَّار يوم الجمل حين اختلفت الأسنَّة في هودج عائشة رَضِيَ اللهُ عَنهَا: والله لَنعلَمُ أَنَّكِ لَزوجُ نبيِّنا في الجَنَّة، وَلَكِن لا ندع الله يُعصى، فَهَذَا ما سمعناه. ولا بلغَنا أَنَّهُ قال أحد من الصحابة لبعضهم بَعْضًا في النفاق لا (1) في اختلاف، ولا في أَيَّام رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا بعده.

فإن قال: إِنَّهُ مِمَّا يسع جهله ولا يلزم علمه.

قلنا: وَذَلِكَ مع ظهوره - عَلَى قولكم- وهو نصٌّ فلا تعبُّد (2) فيه عَلَى أحد، فإذا قال ذَلِكَ قلنا: ما لا تعبُّد فيه عليهم كيف يرفع عنهم التعبُّد بحكم الظاهر في بعضهم بَعْضًا (3) ما لا انفكاك لهم منه إِلاَّ بعلم الحقيقة، وعلم الحقيقة عَلَى هَذَا لم يجب عليهم، بل لم يعرفوه، فما هَذَا التخبُّط فيما لا يستقيم؟.

باب: بيان استحالة هَذِهِ المعارضة لاستحالة إجماع الأُمَّة عَلَى خطأ

وَأَمَّا الوجه الخامس، وهو أَنَّ في الحكم بعموم الخطاب في هَذِهِ الآيات، وإيجاب الولاية لِكُلِّ شخص من المهاجرين والأنصار عَلَى الانفراد باسمه وعينه تكفير الأُمَّة

(1) في الأصل: «ولا».

(2) علَّق الثميني بقوله: «قوله: "فلا تعبُّد" الخ هو خبر قوله: "وذلك" … ».

(3) علَّق الثميني بقوله: «قوله: "ما" الخ هو بدل من قوله: "بالحكم [كذا] الظاهر". فتأمَّل».

٢٩ / ٥٣