شرح الجامع الصحيح (الجزء 3) [نسخة كوكب المعرفة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ما جاء أن حكم الحاكم لا يحلل حراما

الجزء ١ · صفحة ٥١

8- قوله: «فإنما أقطعُ له قطعةً من نار»: أي الذي قضيتُ له بحسب الظاهر إذا كان في الباطن لا يستحقه، فهو عليه حرام يؤول به إلى النار، وهو يُفهم منه شدة التعذيب على ما يتعاطاه، فهو من مجاز التشبيه كقوله تعالى: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً)(5 )، والحديث يدل على إثم من خاصم في باطل حتى يستحق به في الظاهر شيئاً هو في الباطن حرام عليه، وإن من اختار لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقاً في الظاهر، فيحكم له به أنه لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم، والحديث نصَّ في مال الغير ويتفرع عليه الحكم في مسائل الخلاف كما لو كان المحكوم له يعتقد خلاف ما حكم له، هل يحل له أخذ ما حكم له به أو لا، كمن مات ابن ابنه وترك أخاً شقيقاً فرفعه لقاض يرى رأي أبي بكر الصديق، فحكم له بجميع الإرث دون الأخ الشقيق، وكان الجد المذكور يرى رأي من يجعل للأخ ميراثاً عند الجد، نقل ابن المنذر عن الأكثر أنه يجب على الجد أن يشارك الأخ الشقيق عملاً بما يعتقده، وقيل غير ذلك، واستدل بالحديث(6) على من ادَّعى مالاً ولم يكن له بيَّنة، فحلف المدعي عليه وحكم الحاكم ببراءة الحالف أنه لا يبرأ في الباطن(7)، وأن المدعي لو قام ببيَّنة بعد ذلك سمعت وبطل الحكم، وهي مسألة نزاع بين الأصحاب، وقد استخرج ابن حجر من الحديث فوائد كثيرة غالبها خارجٌ عن معنى الحديث، فلا يدل عليها بعبارة ولا إشارة والله أعلم.

وقول الربيع: «أقطع وأبلغ وأحق»: صفات متلازمة متقاربة المعنى، [فالأقطع] لحجَّته هو الذي يقوى على إخراج الكلام القاطع للخصومة، و[الأبلغ] هو الذي يبلغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، وقيل: هو الذي يوصل المعنى إلى الغير بأحسن لفظ، و[الأحق] هو الذي يكون في ظاهر الأمر أولى بالشيء من غيره، والمراد الأثبت في الدعوة في حكم الظاهر.

----------------------------------------------

٤٩ / ٢٤٩