شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الإمامة والدفاع ومن يصلح لها

الجزء ٢٨ · صفحة ٢٩١

وَالنَّوْمُ يُذْهِبُ السُّكْرَ ، وَالْهَمُّ يَمْنَعُ النَّوْمَ ، فَأَشَدُّ خَلْقِ رَبِّكَ الْهَمُّ ، اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْهُ فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يَبُثَّ جَوَاسِيسَهُ فِي عَسْكَرِ عَدُوِّهِ ، وَيَسْتَعْلِمَ أَخْبَارَهُ ، وَيَسْتَمِيلَ رُؤَسَاءَهُمْ وَقَادَتَهُمْ وَذَوِي الشَّجَاعَةِ مِنْهُمْ ، وَيَدُسَّ إلَيْهِمْ وَيَعِدَهُمْ وَعْدًا جَمِيلًا ، وَيُوَجِّهَ إلَيْهِمْ بِضُرُوبِ الْخُدْعَةِ وَيُقَوِّيَ أَطْمَاعَهُمْ فِي أَنْ يَنَالُوا مَا عِنْدَهُ مِنْ الْهِبَاتِ الْفَاخِرَةِ وَالْوِلَايَاتِ السَّنِيَّةِ ، فَإِنْ رَأَى وَجْهًا عَاجَلَهُمْ بِمُعَاجَلَتِهِمْ بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ وَسِهَامِهِمْ ، وَيُنْشِئُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ كُتُبًا مُدَلَّسَةً إلَيْهِمْ وَيَبُثُّهَا فِي عَسْكَرِهِمْ وَيَكْتُبُ فِي السِّهَامِ أَخْبَارًا مُزَوَّرَةً وَيَرْمِي بِهَا فِي جُيُوشِهِمْ وَيَضْرِبُ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ الشَّرُّ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ تُنْفَقُ فِيهِ الْأَمْوَالُ وَالْحِيَلُ ، وَاللِّقَاءُ تُنْفَقُ فِيهِ الْأَرْوَاحُ وَالرُّءُوسُ .

وَوُجُوهُ الْحِيَلِ لَا تُحْصَى وَالْحَاضِرُ فِيهَا أَبْصَرُ مِنْ الْغَائِبِ ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْمُهَلَّبِ لَمَّا كَتَبَ إلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَسْتَعْجِلُهُ حَرْبَ الْأَزَارِقَةِ رَدَّ الْجَوَابَ ، فَقَالَ : إنَّ مِنْ الْبَلَاءِ أَنْ يَكُونَ الرَّأْيُ عِنْدَ مَنْ لَا يَمْلِكُهُ لَا عِنْدَ مَنْ يُبْصِرُهُ وَقَالَ الْمُخْتَارُ لِيَزِيدَ بْنِ أَنَسٍ حِينَ وَلَّاهُ الْجَزِيرَةَ وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ : إلْقَ عَدُوَّكَ بِرَأْيٍ غَيْرِ مُتَبَدِّدٍ ، وَبِحَزْمٍ غَيْرِ مُتَّكِلٍ ، وَلَا تَرْكَنَنَّ إلَى الدَّوْلَةِ فَرُبَّمَا انْقَلَبَتْ ، وَاسْتَشِرْ مَنْ لَا يَطْمَعُ فِي مُلْكِكَ وَلَا يُسَرُّ بِقَتْلِكَ وَاسْتَخِرْ اللَّهَ تَعَالَى تُوَفَّقْ ، وَأَوْصَتْ الدُّبَالُ الْعَبْسِيَّةُ ابْنَهَا الْفَتَّاكَ ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ : يَا بُنَيَّ لَا تَنْشَبْ فِي حَرْبٍ وَإِنْ وَثِقْتَ بِشِدَّتِكَ حَتَّى تَعْرِفَ وَجْهَ الْمَهْرَبِ مِنْهَا ، فَإِنَّ النَّفْسَ أَقْوَى شَيْءٍ إذَا وَجَدَتْ سَبِيلَ الْحِيلَةِ ، وَأَصْعَبُ شَيْءٍ إذَا يَئِسَتْ مِنْهَا ، وَأَحْمَدُ الْحِيلَةِ مَا كَانَتْ

١٣٬٧٩١ / ١٧٬٤٣٨