باب في الإمامة والدفاع ومن يصلح لها
الجزء ٢٨ · صفحة ٢٩٢الْحِيلَةُ مُدَبَّرَةً لَهَا ، وَكَانَ النَّصْرُ مِنْ اللَّهِ قَائِدَهَا ، وَاخْتَلِسْ مَنْ تُحَارِبُ خِلْسَةَ الذِّئْبِ وَطِرْ مِنْهَا طَيَرَانَ الْغُرَابِ ، فَإِنَّ الْحَزْمَ وَالْحَذَرَ تَمَامُ الشَّجَاعَةِ ، وَالتَّهَوُّرَ عَدُوُّ الشَّجَاعَةِ .
وَقَالَ أَبُو السَّرَايَا : - وَكَانَ أَحَدَ الْفُتَّاكِ - لِابْنِهِ : " يَا بُنَيَّ ، كُنْ بِحِيلَتِكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِشِدَّتِكَ ، وَبِحَذَرِكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِشَجَاعَتِكَ ، فَإِنَّ الْحَرْبَ حَرْبُ التَّهَوُّرِ وَغَيْمَةُ الْحَذَرِ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا زَالَتْ الدُّوَلُ صَارَتْ حِيلَتُهَا وَبَالًا ، وَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حُلُولِ الْبَلَاءِ كَانَتْ الْآفَةُ فِي الْحِيلَةِ " وَقَالَتْ الْحُكَمَاءُ : إذَا نَزَلَ الْقَضَاءُ كَانَ الْعَطَبُ فِي الْحِيلَةِ وَيَغْلِبُ الضَّعِيفُ بِإِقْبَالِ دَوْلَتِهِ كَمَا يُغْلَبُ الْقَوِيُّ بِفِنَاءِ مُدَّتِهِ وَقَالُوا : سُعُودُ الدُّوَلِ وَنُحُوسُهَا مَقْرُونَةٌ بِسُعُودِ الْمَلِكِ وَنُحُوسِهِ ، وَقَالُوا : يُثْنَى عَلَى كُلِّ أَمِيرٍ فِي دَوْلَتِهِ فَإِذَا انْقَضَتْ دَوْلَتُهُ بَدَتْ عَوْرَتُهُ ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : إذَا وَلَّتْ دَوْلَةٌ وَلَّتْ أُمَّةٌ ، وَإِذَا جَاءَتْ دَوْلَةٌ جَاءَتْ أُمَّةٌ ، وَقَالُوا : رُبَّ حِيلَةٍ أَهْلَكَتْ الْمُحْتَالَ ، فَمِنْ الْحَزْمِ الْمَأْلُوفِ عِنْدَ سُوَّاسِ الْحُرُوبِ أَنْ تَكُونَ حُمَاةُ الرِّجَالِ وَكُمَاةُ الْأَبْطَالِ فِي الْقَلْبِ ، فَإِنَّهُ مَهْمَا انْكَسَرَ الْجَنَاحَانِ فَالْعُيُونُ نَاظِرَةٌ إلَى الْقَلْبِ ، فَإِذَا كَانَتْ رَايَاتُهُ تَخْفِقُ وَطُبُولُهُ تَدُقُّ كَانَ حِصْنًا لِلْجَنَاحَيْنِ ، يَأْوِي إلَيْهِ كُلُّ مُنْهَزِمٍ ، وَإِنْ انْكَسَرَ الْقَلْبُ تَمَزَّقَ الْجَنَاحَانِ ؛ مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّائِرَ إذَا انْكَسَرَ أَحَدُ جَنَاحَيْهِ تُرْجَى عَوْدَتُهُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ، وَإِنْ انْكَسَرَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الْجَنَاحَانِ ، وَلَا يُحْصَى كَثْرَةُ انْكِسَارِ جَنَاحَيْ الْعَسْكَرِ وَثَبَاتُ الْقَلْبِ ثُمَّ تَرَاجَعَ الْفَارُّونَ ، إلَى الْقَلْبِ فَيَكُونُ الظَّفَرُ بِهِمْ ، وَقَلَّمَا عَسْكَرٌ انْكَسَرَتْ قَلْبُهُ فَأَفْلَحَ أَوْ تَرَاجَعَ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةٌ مِنْ صَاحِبِ