مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 06ابو مسلم البهلاني رائد الشعر العماني الحديث لمحمد المحروقي

الجزء ٢ · صفحة ٨

123)، فقد حذفنا (29) بيتا مما رأيناه استطرادا لتوضيح الفكرة نفسها، وذلك ما لم نجده عند ابن أريد، فلم نحذف شيئا من مقطوعته وان كنا قد وجدنا أمرا آخر هو عودته الى تأكيد بعض الأفكار - كما سبق وأوضحنا.

ابتدأ أبو مسلم الفصل الأول بالحديث عن عزة نفسه، في الأبيات (18 - 83) فهو يكتفي بالقليل من القوت صيانة لماء وجها عن السؤال، وهو يترك الماء إذا أصابه قذى من شدة حاجته اليه، وهذا يذكرنا بقول المتنبي:

وأصدى فلا أبدي الى الماء حاجة

وللشمس فوق اليأملات لعاب (34)

فعزة نفس الشاعرين تجعلهما يستغنيان حتى عن الماء اذا ما نغصه منغص.

يمثل الفصل الثاني الأبيات (85 - 06 1) ويدور حول نظرته الى المال فهو لا يرده شيئا ذد بال، حتى لا يسقطه ذلك في التذلل الى من عنده المال منتظرا جداه، واذا ما حصل على المال فلن يضن به دون أن ينفقه في الوجوه التي تضمن له البقاء الحقيقي، وهو خلود الذكر الحسن، وهو معنى ورد عند ابن دريد في بيت ينفي فيه الطمع عن نفسه، وقد فصل أبو مسلم فيه وأبرز موقفه من المال.

وفي الفصل الثالث (117 - 118) يتحدث الشاعر عن منهجه في التعامل مع الأمور والقائم على المباشرة والوضوح، وقد أبرز بذلك جانبا غير الجانب الذي تحدث عنه ابن دريد، أما الفصل الرابع (120 - 122) فهو جوهر موضوع الموازنة اذ يتصل باعتداده بنفسه، فهو الحتف على اللثام، يذود عن حريته، وينصر المبتلين، وهو ماء القصيدة القائمة على الاستنهاض. ففي تصويره لنفسه في هذا المستوى من البطولة يقدم نموذجا يحاول قارئه المتوقع أن يمثله، وقد ورد هذا الفصل عن ابن أريد في بداية المقطوعة بصيغة النفي، ومن غير أن يصل الأمر عنده الى طلب الحرية ونصرة المعقدين، وذلك يتصل بالباعث الأول لقصيدة ابن دريد، والذي اختلف - حتما - عما هو عند أبي مسلم، فقد صور ابن دريد عذاب مهاجر جنوبي يواجه الشدائد وحيدا.

من خلال الموازنة السابقة نخلص الى أن أبا مسلم لم يبق في اسار أفكار القصيدة المعارضة، وحتى حينما اخترنا موضوعا فرعيا، ورد في كلا القصيدتين وجدنا ذلك الاختلاف الظاهر على مستوى الإنكار المطروحة، وعلى مستوى الصياغة، فقد ظهرت شخصية أبي مسلم ونظرته الحياتية الخاصة، بعيدا عن أفكار ابن أريد وأطروحاته بما تمليها عليه شخصيته المتحررة، وقد وجدنا أبا مسلم يعرض لتفصيلات وأفكار لم يعرض لها سلفه، كما اكتشفناه يستظهر فضاءات أخرى، كما في اشارتنا الى استلهامه بيت أبي الطيب المتنبي، وكل ذلك يعني أن اشتراك الشاعرين وفي موضوع واحد هو (الحديث عن النفس) لم يستتبع نسخا أو سلخا لأفكار القصيدة الأولى، وانما هو من قبيل المعاني الانسانية المشتركة الملقاة في الطريق على حد تعبير الجاحظ. وللتأكد من مدى مصداقية النتيجة التي توصلنا اليها سوف نقوم بدراسة مقاطع كلا المقصورتين.

ب- تناص المقاطع

من خلال المقطوعة السابقة لم نجد أبا مسلم البهلاني يستخدم مقاطع المقصورة المعارضة فلم نعثر على مقطع أعيد استخدامه مما يؤكد ضعف السيطرة التي مارستها القصيدة المعارضة على القصيدة المعارضة، واذا ما أغرانا ذلك بتتبع مقصورة أبي مسلم بصورة عامة، فإننا نجده يستخدم ستة مقاطع فقط مما ورد في المقصورة المعارضة، على مدار المقصورة بأكملها.

وقد أثرت تلك المقاطع على بنية البيت إذ قامت بنقل بعض الكلمات المجاورة لها، وفقا لقانون (العلاقات السياقية)، أو علاقات المجاورة حسب رأي جاكوبسون (35)، فعندما يأتي المقطع (المنتضى) فإنه يستتبع معه لفظ (السيف):

ابن دريد - واحترم الوضاح من دون التي

أملها سيف الحمام المنتضى (36)

أبو مسلم - إن هزك الممنى هز طرده

١١ / ٣٥٢