مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 06ابو مسلم البهلاني رائد الشعر العماني الحديث لمحمد المحروقي

الجزء ٢ · صفحة ٩

أو هزك الهول فسيفا منتضى (37)

ولكن على صعيد المعنى يستقل بيت أبي مسلم - فالفاعلية هي وظيفة (السيف المنتضى) عند ابن دريد، أما عند أبي مسلم فدور (السيف المنتضى) دور مجازي يقوم على علاقة التشبيه، فكأنه يقول لمن يخاطبه (كن كأنك سيف منتضى مضاء وعزما).

وفي موضع آخر كان الشاعران أكثر تقاربا، فقد جاء المقطع (الزبى) واستتبعته جملة (بلغ السيل):

ابن دريد - لست إذا ما بهظتني غمرة

ممن يقول بلغ السيل الزبى (38)

أبو مسلم - جاس البلاء بالبلاد طاميا

فبز حتى بلغ السيل الزبى (39)

ويبدو لنا أن ذلك التقارب ليس بفعل تأثير القصيدة الأولى على الثانية، بل لأن القصيدتين توظفان مثلا سائرا، يضرب في شدة الأمر وبلوغه مبلغا فظيعا، إذن فذلك التقارب ناتج عن وحدة المصدر الذي استقى منه الشاعران بيتيهما.

4 - التضمين: خصب الثقافة الشعرية.

يعالج (التناص) ظواهر عديدة من بينها (التضمين) وهو حسب تعريف أسامه بن منقذ: "هو أن يتضمن البيت كلمات من بيت آخر" (أ)، وهو صورة من صور التعامل مع التراث الشعري الى جانب المعارضة.

ويحفل شعر أبي مسلم البهلاني بالكثير من الأبيات المضمنة، والتي تحيل الى مدى خصب ثقافته الأدبية، فتلك الإحالات تهاجر عبر فضاء واسع، ينتظم العصور الأدبية وذلك ما سوف تزيده الأمثلة القادمة وضوحا - كذلك فإن تلك التضمينات تشير الى مخزون متعدد المشارب فنجد الأمثال والحكم والشواهد النحوية.

وبموازنة ظاهرة (التضمين) مع ظاهرة المعارضة نجد أن الأولى لم تحقق الاصالة والامتصاص نفسيهما اللذين رأيناهما في المعارضة، ولكنها حاولت المراوحة بين الاستعادة الباردة لقالب الصيغة السابقة، وبين الامتصاص الواعي للمعاني القديمة، واعادة توظيفها بعد أن يتم صقلها ضمن التجربة الشعرية لأبي مسلم، وهكذا فإن النماذج التي بين أيدينا يمكن أن تعالج في قسمين:

أ – اجترار صيغ الذاكرة

وفيه تبدو ظاهرة التضمين باردة الفعالية، فتدخل العبارات القديمة دخول الشاهد أو المرجع، دون أن تمتزج ببنية البيت، فغالبا ما تظهر كشطر كامل وضع بين معقوفتين، امعانا في إظهار الاستقلالية من ذلك قوله:

سائرا بالجد حتى نلته

"كل من سار على الدرب وصل " (41)

والشطر الثاني مثل سائر، نظما ابن الوردي إذ يقول:

لا تقل قد ذهبت أربابه

كل من سار على الدرب وصل (42)

١٢ / ٣٥٢