العدد 46 جيل التسعينيات الشعري العماني بين امتداد الرؤى خصوصية التجربة لفاطمة الشيدية
الجزء ١٧ · صفحة ٥من ذلك الحلم المرسوم في أعيننا
والهواء يقذفنا نحو السراديب المظلمة
نحن أشباه عراة في هذا الليل (7)
وتقول بدرية الوهيبية في استحضار لسحر الحلم البعيد، ورسم دقيق لتحليق الذات في عوالم موغلة في الوجع والحلم معا، وبلغة تشد إليها صورا متتابعة للتعبير عن ذات ترسم عوالمها الخاصة من أقصى مكان في المخيلة، موظفة ضمير (المتكلم) المباشر في تراكيبها الممتدة لفضح بؤرة النص الداخلية الخاصة، وتسليط بقعة الضوء على مركز ثقله وتبئيره، وهو (الأنا):
وكنتُ أشدُ الرحالُ على هودجِ
،تغفو السماءُ على كفِّ ساحر
وتدنو الشواهينُ حتى تصيبَ رؤوسَ الجبالِ بدوختِها
ثم تدنو الرياحُ لتزرعَ في هدأةِ الطيرِ أعشاشَها
لقد كانت الأرضُ في راحةِ الغيمِ تفاحةً
وكنت هناك أصلي على شرفة الانتظارِ
لعل الجراحَ تعودُ لأوكارِها
فأغدو لأزرعَ فوق الرذاذِ قبورا بلا ساعةٍ أو يدين (8)
الاهتمام بالواقع، والتماس مع القضايا القومية الكبرى:
فالشاعر يتناول هموم الإنسان الـ (هو / آخر) في عبوره الحي، كما يجنح إلى قضايا المجتمع المتأصلة والطارئة، في طرح عميق، ورؤية واضحة، مشغولة برمزية فنية وعمق تارة، أو بغنائية ساذجة تارة أخرى معتمدة الطوباوية والتغني بالمجد الغابر، لذا كثرت في أشعار هذا الجيل قضايا الحب، والفقر، والفقد، والألم، كما شاع في أشعارهم استخدام المفردات الحياتية القريبة حيث اقتناص الصورة من المشهد الحسي والقريب في توحد غير مائز في طرح قيم المعاناة الخاصة والعامة، في نص مكشوف وبين تارة، ومعمى باللفظ تارة أخرى في اختزال لأعلى درجات الألم، كما اهتم البعض بطرح قضايا الأمة، وأهدافها وأوجاعها وفضح أعدائها، مع تسييس نسبي للقصيدة، وجعلها في مستوى المتلقي من حيث الطرح والفكرة، ومخاطبة الشعور والمستوى المعرفي، مع الاهتمام بالزخرف والبيان الجمالي.
يقول عاصم السعيدي، متناولا قضية الغربة والألم والفقد المبكر، متحدا مع الوجع في علائقية خاصة، منطلقة من الذات وإلى الذات، معبرة عن فكرة الغربة الحقيقية، والمتخيلة، لينسج نصه على منوال «الأنت» المخاطب ليصعد من وتيرة الألم الحسي، حين يلقي بظلال الخطاب على المتلقي ليصبح هو المتشكل بالوجع.
قد كنتَ طفلاً ..
عندما سرقوكَ من أحضان أُمّكْ
ورموكَ في سجن بعيدْ
لم تبكِ شيئاً، لم تودّع صمتَ لعبتكَ