العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان
الجزء ١٩ · صفحة ٤2/2- الانجذاب إلى قصائد محددة:
ثمة ملمحٌ بارزٌ يتجلّى في انجذابِ الشاعر العُماني صوبَ قصيدةٍ ما، فلا يَقْنَعُ بمعارضتها مرَّةً واحدةً، بل نراه يُعارضها مرتين أو ثلاثاً مُجَسِّداً شَغَفَهُ بالنموذج المُحاكي أوّلاً، وحَيْرَتَهُ أمام المستوى الفني لما أبدع ثانياً. ويأتي ابنُ رزيق في هذا الجانب نسيجَ وَحْدِهِ، عندما عارض أربعَ قصائِدَ من عيون شعرنا القديم بإحدى عشرة معارضة، حيث عارض كُلاً من معلقة طرفة بن العبد ومقصورة البحتري مرتين (31)، وكافيَّةَ الشريفِ الرّضيِّ ثلاث مرّات (32)، وبائيّةَ أبي تمام التي يبدؤها بقوله: (33)
السَّيْفُ أصْدَقُ أنْباءً من الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بينَ الجَدِّ واللَّعِبِ
بأربع قصائدَ تَتَّسقُ معها بحراً وقافيةً وغَرَضاً، وإن لم تَتَّسق معها عددَ أبيات، فقد جاءتْ بائيةُ أبي تمام في واحد وسبعين بيتاً، بينما لم تتجاوز أطولُ معارضة لابن رزيق ستة وأربعين بيتاً. فقال في معارضته الأولى: (34)
شَرُفْتَ بالنسبِ يا سَيِّدَ العَربِ
لكَ المنابِرُ والتأييدُ في الخُطَبِ
وقال في الثانية: (35)
يا بَدْرُ دونك بدرُ التَّمِّ في الرُّتَبِ
ودونكَ السادةُ الأمجادِ في النَّسبِ
وقال في الثالثة: (36)
أُهدي إليكَ فريدَ الفكرِ والأدبِ
وأنتَ أوْلى به يا سَيِّدَ العربِ
وقال في معارضته الأخيرة: (37)
سَلِّ الهمومَ بترياقِ ابْنَةِ العِنَبِ
واسْتجْلها من أكُفِّ الخُرَّدِ العُرُبِ
ويتحقق هذا الملمحُ أيضاً لدى ابن عُرابة، عندما عارض بُرْدَة الإمام البوصيري التي يفتتحها بقوله: (38)
أمِنْ تَذَكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ
مَزَجْتَ دَمْعاً جرى من مُقْلَةٍ بدَمِ
بقصيدتين، يقول في الأولى: (39)
يا حادِيَ العِيسِ قِفْ بالجزعِ والعَلَمِ
واسْكُبْ هُناكَ دموعَ العَيْنِ كالدِّيَمِ
ويقول في الثانية: (40)