العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان
الجزء ١٩ · صفحة ٥ما بالُ قَلْبِكَ لا يَنْفَكُّ مِنْ سَقَمِ
والعَيْنُ منكَ تَسِحُّ الدمعَ كالدِّيَمِ
2/3- المعارضات الجماعية:
ومن الظواهر الفنية الأبرزِ فيما أبدع الشاعر العُماني من معارضاتٍ ما يمكن تسميتها - تجاوزاً - بجماعيةِ المعارضة، وتتجلّى هذه الظاهرةُ في أن تلقى قصيدةٌ ما استحسان عَدَدٍ من الشعراء الذين قد تجمعهم حقبةٌ زمنيةٌ واحدة، أو يتوزَّعون على حِقَبٍ متعاقبة - فينبرون لمعارضتها.
من بين هذه القصائد عينيةُ أبي ذؤيب (41) وتائيةُ كُثَيِّر عَزَّةَ (42) ومقصورة ابن دُرَيْد (43) وحائية ابن النحاس (44) وميميتان للمتنبي (45) ونونيةُ ابنِ زيدون (46) وبُرْدَةُ البُوصيري (47). وغيرها.
ولم يقف الأمرُ عند هذا الحدِّ بل امتدَّ إلى بعض القصائد العُمانية، فراح الشعراء العُمانيون يعارضونها، مثال ذلك نونية الشيخ سالم بن محمد الدرمكي الإزكوي، ومطلعها:
ما بين بابي عَيْنِ سعنة واليمنْ
سوقٌ تُباعُ به القلوبُ بلا ثمنْ
التي عارضها ابن رزيق فقال:
بَيْنَ العتيكِ وسوقه ظبيٌ أغَنّ
لا يشتري إلا القلوبَ بلا ثَمَنْ
وعارضها - أيضاً - الشيخ ناصر بن محمد الخروصي. (48)
ولم تقتصر عنايةُ الشعراء العُمانيين عند القصيدةِ يُعْجَبونَ بها فيعارضونها مرّاتٍ بأسلوبٍ أحاديٍّ تارةً، أو جماعي تاراتٍ أُخر، بل راحوا يعجبون بعدد من شعراء العربية الكبار كامرئ القيس (49) وأبي تمام وأبي الطيب المتنبي وغيرهم، معارضين إياهم في بعض ما ذاع من أشعارهم، وهو ملمحٌ يفتح البابَ واسعاً لدراساتٍ أكاديمية تُعْنى بتجلياتهم على مرآة الشعر العُماني وفق منهج إحصائي مقارن.
جاء أبو الطيب المتنبي نسيجَ وَحْدِهِ، إذ احتلَّ مكانةً متميزةً بين الشعراء العُمانيين، فعارضه ستٌّ منهم في إحدى عشرة قصيدة من عيون شعره، وهم: اللواح الخروصي وابن عرابة (لكلٍّ قصيدةٌ)، والستالي والبهلاني (لكُلٍّ قصيدتان)، وأبو سرور السمائلي (ثلاث قصائد)، أما ابنُ رزيق فقد عارضه في أربع قصائد. وقد تقاطع كلٌّ من ابن عُرابة وأبي سرور فعارضا قصيدةً واحدة، وكذلك الأمر بالنسبة لابن رزيق والبهلاني إذ عارضا قصيدةً أُخرى. (50)
أما أبو تمام فإنَّهُ لم يُدْرِكْ المتنبي مساحةً زمنيةً وعددَ قصائِدَ، إذ اقتصرتْ معارضته على ابن رزيق، الذي عارضه في سِتٍّ قصائدَ من غُرَرِ أشعاره، بتسع معارضات، حيث استأثرت بائيتُه تمام الذائعة وحدها بأربع مُعارَضاتٍ من بينها. (51)
2/4- المعارضات البينية:
ولئن كان الشاعر العُماني قد انفتح بذائقته الإبداعية على مجمل اللوحة الشعرية، فراح يُعارِضُ أنضجَ قصائدها ويُجاري أعلامَها فيما أبدعوا من قصائد ودواوين، تحدوه رغبةٌ عارمةٌ في مَدِّ جسورِ التواصل مع منجزهم والجري إلى جارهم في المضمار، فإن هذا الانفتاحَ صاحبه محاولاتُ انكفاءٍ على الذاتِ فراح يُعارِضُ شعراءَ آخرين من بني جلدته، فيما يمكن تسميتُه - تجاوزاً - بالمعارضات البينية أو الداخلية، وسوف يتجلى هذا النمط