العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان
الجزء ١٩ · صفحة ٦لدى شعراء الدولة البوسعيدية بمرحلتيها.
فقد عارض ابنُ رزيق الشيخَ سالم بن محمد الدرمكي في قصيدةٍ له طالعها:
ما بين بابي عينِ سعنة واليمنْ
سوقٌ تُباعُ به القلوبُ بلا ثمنْ
بقصيدة طالعها:
بين العتيك وسوقِهِ ظَبْيٌ أغَنّ
لا يَشْتَري القلوبَ إلا بلا ثمن
كما عارضها أيضاً الشيخُ ناصرُ بن محمد الخروصي. (52)
ويمكن تعقُّبُ هذه الظاهرةِ لدى النبهاني التنوفي وأبي سرور السمائلي وغيرهما. (53)
ثالثاً- الصوت والصَّدى، دراسة مقارنة:
رسَّخَ شعراءُ العربيةِ القدامى - عبر حِقَبٍ زمنيةٍ متعاقبة - شرائِطَ فَنِّ المُعارَضةِ، وتجلَّتْ في محوري الإيقاع والمضمون، وإذا كان نُقّادُ العربيةِ قد اشترطوا الاتّساقَ الإيقاعيَّ شرطاً أساسيّاً لا تستقيمُ المعارَضةُ إلا بتحقُّق فإنهم خلَّفوا نوافِذَ المضمونِ مُشْرَعَةً أمام الشاعر مانحين إيّاه حُريةَ الاقترابِ من النموذج الأصليّ وامتصاصه أو استيعابه وإعادة تشكيله.
3/1- أولاً - الإيقاع:
القارئ للشعر العُماني في ضوء ما استقرَّ من شرائِطَ وما أُنْجِزَ من معارضاتٍ لدى شعراء العصور الخوالي - يمكنه أن يرصد ثلاثة مواقف متباينة اعتنقها الشعراء العُمانيون فيما أبدعوا من معارضاتٍ، تجلَّتْ في ثلاثية: المماثلة والمغايرة والجِدَّة.
1/أ- المماثلة: ونعني بها الاتِّساق الإيقاعيَّ التامَّ (بحراً وقافيةً) بين كُلِّ قصيدتين (مُعارَضَة ومُعارِضَة). والحقُّ أنَّ جُلَّ ما أبدع الشاعر العُماني من معارضاتٍ قد خضع لهذه القاعدة.
1/ب- المغايرة: ونقصدُ بها الخروجَ على قاعدةِ الاتِّساقِ الإيقاعيّ بين القصيدتين لغاياتٍ يراها المبدعُ مبرراً مقبولاً لخَرْقِ مبدأ طقسية القاعدة، وهو خَرْقٌ له جذورٌ تاريخيةٌ في نقائض الإسلاميين والأمويين (54) ويمكنُ للباحث رَصْدُ هذا الملمح لدى سليمان النبهاني في قصيدتين، عارض في الأولى ذا الرُّمَّةِ، وعارض في الثانية أبا العلاء المعرّي، وإن اختلفَ الحافِزُ في الحالتين.
عارض النبهاني ذا الرُّمَّةِ في قصيدةٍ بائية الرَّوِيِّ مدح بها عبدالملك بن مروان، يبدؤها بقوله: (55)
ما بالُ عَيْنِكَ منها الدَّمْعُ مِدْرارُ
كأنَّما فَيْضُها في الخَدِّ أنهارُ (56)
ثمّة ملمحان يسترعيان انتباه المُتلقِّي يتمثّلان فيما يُسَمَّى ببؤرةِ الإشعاع أو ما يدعوه النقّادُ بالمفتاح الذي يُفْصِحُ عن هُوِيَّةِ المعارضة من جهةٍ، ويربط بين الشاعرين من جهةٍ ثانية، وتتجسَّدُ بؤرةُ الإشعاعِ هنا في قولهما (ما بالُ عَيْنِكَ منها الدَّمْعُ) وهو تماثلٌ صياغيٌّ لا يستعصي رصده.
أمّا الملمح الثاني فيتجلّى في عنصر المغايرة بين القافيةِ في القصيدتين وإنْ اتّسقتا بحراً، فروِيُّ قصيدةِ ذي الرُّمَّةِ