مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان

الجزء ١٩ · صفحة ٧

الباءُ مضمومةً، بينما جاء رَوِيُّ قصيدة النبهاني الراء مضمومةً. والمغايرةُ هنا تعكس ما يكمن خلفها من غاياتٍ فنيةٍ تخدم التجربةَ وتُنَمّيها.

فإذا كان وَصْفُ الدموعِ قاسماً مشتركاً بين الشاعرين، أرادا وصفها بالغزارة، وإذا كانت لفظةُ (يَنْسَكِبُ) تُعطي إيحاءً بالغزارةِ فإنَّ الإيقاعَ الصوتيَّ يَحِدُّ من هذه الغزارة عندما يجعلها مؤقتة، بينما تأتي لقطةُ (مدرار) منميةً المعنى السابق من خلال صوتِ الراء التكراري مسبوقاً بألف مَدٍّ، فأشاعتْ إيحاءً بالغزارة والتدفق والديمومة، وهو ما أراد النبهاني رصدَه في مقدمة قصيدته عبر لوحتين فقال:

ما بالُ عَيْنِك منها الدَّمْعُ مِدْرارُ

كأنَّما فَيْضُها في الخدِّ أنْهارُ

أو ماءُ حَنَّانةٍ وطْفاءَ حَلَّ بها

رَعْدٌ من الجانِبِ الغَرْبيِّ مِهْدارُ (57)

أما القصيدةُ الثانيةُ فقد عارض بها لامِيَّةَ المعرّي الذائعة التي يبدؤها بقوله:

ألا في سبيلِ المجدِ ما أنا فاعِلُ

عَفافٌ وإقْدامٌ وحَزْمٌ ونائِلُ

أعندي وقد مارَسْتُ كُلَّ حَفِيَّةٍ

يُصَدَّقُ واشٍ أو يُكَذَّبُ قائِلُ (58)

فقال:

ألا في سبيلِ المجْدِ ما أنا صانِعُ

نَفُوعٌ وضَرَّاءٌ ومُعْطٍ ونافِعُ

أعندي وقد أحْرزتُ كُلَّ جميلةٍ

يُذَعَّرُ جارٍ أو يُذَعَّرُ وادِعُ (59)

إنَّ قراءةً مقارنةً تشي بوشائجِ القُرْبى الرابطةٍ بين هذين النَّصَّيْن تتجلّى فيما يُسمّى ببؤرةِ الإشعاع أو المسكوكاتِ اللفظية وإيقاعِ بحر الطويل باندياحه وانبساطه، ولكنهما اختلفا قافيةً، وهو اختلافٌ أقدم النبهانيُّ عليه - فيما نعتقد - إقدامَ المقتدر تحدوه رغبةُ ردِّ يقينِ القدرةِ على مُجاراةِ الأقدمين إلى معاصريه وتابعيه من شعراء، فاختار العين قافيةً لقصيدته «وهو أكثرُ صعوبةً من حرف اللام؛ لأنَّهُ أقلُّ تردُّداً في الكلمات العربية بنسبةٍ كبيرة، وتلك حقيقةٌ توصَّلَتْ إليها الدراساتُ اللغويةُ الحديثةُ من خلال لجوئها إلى المنهج الإحصائي، فقد أثبت الدكتور إبراهيم أنيس في تجربة له أنَّه من بين كل ألف حَرْفٍ يتردَّدُ حرفُ اللامِ مائةً وسبعاً وعشرين مرّة، على حين يتردّد حرفُ العين سبعاً وعشرين مرّة فقط، وذلك مقياسٌ يُوَضِّحُ إلى أيِّ حَدٍّ تكثر الكلماتُ التي يتردد فيها حرفُ اللامِ عن تلك التي يتردَّدُ فيها حرفُ العين. فإذا أضفنا إلى ذلك اشتراطَ أن يكونَ الحرفُ في نهاية الكلمة، كما هو الشأنُ مع القافية ازدادت الصعوبة. ومع هذا كله فالشاعر لم يكن مضطراً إلى أن يركب الصَّعْبَ. فقانون المعارضة العام في الشعر العربي كان يعطيه حَقَّ استخدامِ قوافٍ من حرف اللام، وقد آثر هو - تمكُّناً - أن يُلْزِمَ نَفْسَهُ مالا يلزم في حضرة أبي العلاء». (60)

على أنني أسارع فأقرر أنّ خَرْقَ النّبهاني للاتساق الإيقاعي لم يكن خرقاً مطلقاً، بل جاء استثناءً فرضته غاياتٌ فنيةٌ أو ذاتية، وظلت بقيةُ مُعارضاتِه شديدةَ الاتساق إيقاعياً مع النماذج الشعرية المعارَضة، فعندما يعارض امرأ

٢٠٠ / ٣٥٢