العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان
الجزء ١٩ · صفحة ٨القيس في قصيدته الرائية التي يصدرها بقوله:
سما بكَ شوقٌ بعدما كان أقصرا
وحلَّتْ سُليمى بَطْنَ قَوٍ فَعَرْعَرا (61)
يأتي بقصيدة تَتَّسِقُ معها بحراً وقافيةً، حظيت بإعجاب الشيخ نور الدين السّالمي إذ رأى - وهو حُكْمٌ لا يخلو من مُبالغةٍ - أنَّها تُزاحم المعلقاتِ السبعَ بلاغةً، وتزيدُ عليها جزالةً ورشاقةً (62) فقال:
نعم ساورَ السهمُّ الفؤادَ فأبْهرا
ولجَّ به البَيْنُ المُشِتُّ فأسْهرا (63)
ولم يكن الخروجُ على قدسيةِ القاعدةِ محصوراً في نموذجيْ النبهاني السابقين، بل تعدّاه إلى ابن رُزيق الذي حافظ على اتفاق القافية بين القصيدتين، وجاء ببحر مُغاير، وقد تجلّى هذا الملمح في ثلاث معارضات، عارض فيها طرفةَ بن العبد والشريف الرّضي (64)، مثال ذلك معارضته لمعلقة طرفة بن العبد التي يبدؤها بقوله:
لخولةَ أطلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ
تلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظاهِرِ اليدِ (65)
إذ عارضها بقصيدتين جاءتا على بحر الكامل، بينما جاءت المعلقة على بحر الطويل، فقال في معارضته الأولى:
بَرْقٌ تألَّقَ لا لُبُرَقةِ ثهمد
سَحَراً فحرَّمني لذيذَ المَرْقَدِ (66)
وقال في الثانية:
دِمَنٌ لبارِق لا لُبْرَقةِ ثهمد
هَيَّجْنَ لي بالمَصْحِ نارَ تَوَقدِ (67)
1/جـ- الجِدَّة:
إذا كانتْ معارضاتُ السّتالي والنبهاني قد رَدَّتْ إلى الشاعر العُماني يقينَ القدرةِ على مُجاراةِ الشعراء القدامى جاهليين وإسلاميين وعبّاسيين فإنَّ هذا اليقين أفضى بالشاعر العُماني إلى رغبةٍ مُلِحَّةٍ في التجاوز والابتكار، وهما ملمحان يحكمان حركةَ المعارضاتِ في الشعر العُماني لاسيما الحقبة البوسعيدية.
ولئن جَسَّدَ بعضُ الشعراءِ العُمانيين ولعهم بعدد من الشُّعراء الكبار كامرئ القيس وأبي تمام والمتنبي فراحوا يعارضونهم في أكثر من قصيدةٍ فإنَّ مجال المعارضة لم يَتَّسِعْ ليشمل مجملَ إنتاجِ شاعرٍ بعينه. وهنا يبرز ملمحُ الجِدَّةِ جليّاً، إذ يُحْرِزُ ابنُ رُزيق قَصَبَ السَّبْقِ عندما يُعارض ديواناً شعريّاً كاملاً، كان للسَّيَّد ثويني بن سعيد دورٌ كبيرٌ في إنجازه، عندما راح يُحَرِّضُ شاعره على مدحه بديوان شعريٍّ تام يُحاكي ديوان (دُرر النحور في امتداح الملك المنصور) لصفي الدين الحِلِّي، وإلى ذلك أشارَ ابنُ رزيق في مُقَدِّمَةِ ديوانه فقال: «لقد سألني مَنْ مواهِبُهُ سيول، وبهجةُ رِضاهُ إليَّ رَوْضَةٌ وقبول .. أن أُباري نِظامَ الصَّفِيِّ المشهور الذي نسَّقَهُ للملك المنصور، وسمّاه (قلائد النحور) فأجبته بالطاعةِ الصّريحةِ وسمَّيْتُه جوهرة التيجان». (68)
وقد جارى ابنُ رزيق صفِيَّ الدين الحِلِّي في بناء ديوانه وفق طريقته التي جسَّدَت ولعه الشديدَ بفنون البديع التي كانت شائعةً في زمانه، عندما جعل ديوانه - قصائد وأبياتاً - يسير وفق الألفبائية العربية عدداً وترتيباً، فعدد القصائد تسعٌ وعشرون، وعدد أبيات كل قصيدة تسعةٌ وعشرون بيتاً، ثم ألزم نَفْسَهُ بأن تكون قافيةُ كل قصيدة