مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان

الجزء ١٩ · صفحة ١٠

أربعمائة وثمانية وخمسين بيتاً، ويبدؤها بقوله:

كيف تَرْقى رُقِيَّكَ الأنبياءُ

يا سماءً ما طاولتْها سَماءُ

فجاءت همزيته في سبعين بيتاً، بادئاً إيّاها بقوله:

نَسَبٌ صانَهُ الجمالُ الإلهيّ

لربِّهِ عليه انطواءُ (73)

أما رائيته التي عارض بها رائية التهامي فقد جاءت دونها طولَ نَفَسٍ، فبينما حققت رائية التهامي طولَ نَفَسٍ شعري أثمر ثمانيةَ وثمانين بيتاً، اتسمت رائية البهلاني بقصر نفس، تجلّى في ستة عشر بيتاً. (74)

3/3- المضمون:

إذا كان علماءُ العربيةِ القدامى قد سَنُّوا لفنِّ المعارضةِ شرائِطَ ينبغي الالتزامُ بها، تجلَّتْ في وحدةِ الإيقاع وتوَفُّرِ نِيَّةِ المعارضة إضماراً أو تصريحاً فإنَّهم تركوا للشاعر المُعارِضِ حريةَ التعاملِ مع المعنى، فتعددت آلياتُه: اتساقاً وتنوعاً، ومغايرةً، واجتزاءً.

وإنَّهُ لمن الصعوبة بمكانٍ إصدارُ حُكْمٍ رياضيٍّ ينتظمُ آلياتِ تعامُلِ الشاعرِ العُماني مع النصوصِ الشعريةِ التي تناصَّ معها مُعارضةً، نظراً لاجتماع هذه الأنماطِ الثلاثة لدى الشاعرِ الواحد، وتباين نسبة شيوعها من شاعرٍ لآخرَ؛ وإنَّ نظرةً دقيقةً للجداول الملحقة بذيل دراستنا تشي بصدق ما ذهبنا إليه.

فلو نظرنا إلى معارضاتِ السَّتالي باعتباره أشدَّ الشعراء العُمانيين التصاقاً بمن عارض إيقاعاً ومسكوكاتٍ لفظيةً ونَفَساً شعريّاً لوجدنا أنَّها جعلت من المَدْحِ غرضاً أساسياً، مما يجعلها غيرَ متسقةٍ مع أغلب النماذج المُعارَضة، فعندما عارض تائيةَ كُثَيِّر عزَّة التي خَلُصَتْ للغزل وما يلحق به من صَدٍّ وشَوْقٍ ولَوْعَةٍ - جاءت معارضتهُ مُوَزَّعةً بين غرضين هما: الغزل والمدح. جارى كثير عزة في المقدمة الغزلية وإن جاء دونه صِدْقَ عاطفةٍ وتنوُّعَ أفكارٍ وجدَّةَ تصويرٍ وخيال.

واستجاب في الشقِّ المدحي لما استقرَّ في الوجدان العربي الجمعي من صفاتٍ للبطل الأنموذج، فجاء هذا الجانب تقليديَّ البناءِ والمضمونِ وحُسْنَ تخلُّصٍ، تجلّى في انتقالٍ لطيف، عندما جعل من حُبِّ ممدوحهِ وسيلةً ناجِعةً للتخلُّصِ من آلامِ حُبِّ مُعْرِضٍ عنه؛ فقال:

وللهِ ما صَبْري وكتماني الهوى

وما إنْ بَدَتْ لي فيه نَحْوي فَدَلَّتِ

سوى زَفْرَةٍ نَهْنَهْتُها فتصدَّعَتْ

لدى عَبْرَةٍ كفكفتها فاسْتَهَلَّتِ

وكم غُلَّةٍ في الصَّدْرِ منْ حُبِّ مُعْرِضٍ

عرضتُ لها بالصَّبْرِ حتى اضمحلَّتِ

سوى حُبِّ ذُهْلٍ لستُ عنه بذاهِلٍ

ضمائِرُ أصيفها لذُهْلٍ وقَلَّتِ (75)

٢٠٣ / ٣٥٢