العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان
الجزء ١٩ · صفحة ١١وتمتدُّ رغبةُ السّتالي في إقحام المديح في تضاعيف أشعاره إلى درجة أصابتْ بعضَ معارضاته بتناقُضِ الوَقْعِ النفسيِّ بين أجزائها، ويتجلّى هذا الملمح في داليته التي عارض بها داليةَ ابن الرومي في رثاء ولده الأوسط محمد، إذ خَلُصَتْ قصيدةُ ابنِ الرومي للرثاء وجَسَّدَتْ إحساساً فادِحاً بالفَقْدِ وتجلياته، بينما توزَّعَتْ مضامينُ قصيدةِ الستالي على محوريْ: الرثاء (عزاء السلطان معمر بن عمر في وفاة ولده أبي بكر) والمدح له. فاختلفت القصيدتان صِدْقاً ووَحْدَةً ووَقْعاً نَفْسِيّاً، وإنْ فاقتْ قصيدةُ الستالي نَفَساً شعرياً.
ولم تقف رغبةُ الشاعرِ العُماني في المديح عندَ حَدِّ اصطباغ معارضاته بالفتور الوجداني تارةً، وتناقض الوَقْعِ النَّفْسِيِّ بين أجزاء معارضاته تارة أخرى، بل امتدَّ ليشمل أفق التوقع لدى المُتَلَقِّي، ويتجلّى هذا الملمح لدى ابن رزيق في بعض معارضاته، مثال ذلك معارضته لكافِيَّةِ الشريف الرضيّ الغزلية الذائعة، إذ عارضها بثلاثِ مُعارضاتٍ، اتخذتْ من المدحِ ثيمةً أساسيةً كاسراً بصنيعه هذا أفق التوقع لدى المتلقي، ويمكن تلمُّسُ هذا الملمح في مُعارضته لبردة البوصيري الذائعة التي يُصَدِّرُها بقوله:
أمِنْ تَذكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ
مَزَجْتَ دَمْعاً جرى من مُقْلَةٍ بدم
إذ عارضها بقصيدة مدحية، قال فيها:
إنْ جِئْتَ فَنْجَةَ دارَ العِزِّ والكَرَمِ
فاقر التحيةَ أهْلَ الفَضْلِ والشِّيَمِ (76)
أما الاجتزاء فقد تجلّى في معارضة النبهاني التنوفي للشق الغزلي من نونية أبي بكر الستالي التي مدح بها السيد أبا القاسم النبهاني وهنأه بعيد الفطر، قائلاً:
قَصَرْنَ الخُطا وهَزَزْنَ الغصونا
ورَقْرَقْنَ تحتَ النِّقابِ العيونا
وفَلَّجْنَ كالأقحوانِ الثنايا
وكحَّلْنَ بالسِّحْرِ منها الجفونا (77)
إذ غطَّى هذا الجانِبُ لدى الستالي تسعة عشر بيتاً، فعارضه النبهاني التنوفي بقصيدةٍ عدادُ أبياتها ثمانية عشر بيتاً، مفتتحاً إيّاها بقوله:
كتَمْنَ الهوى وأسَلْنَ العيونا
وأرْدَفْنَ طول الحنينِ الأنينا (78)
رابعاً- نقد النقد:
إن قراءة نقديةً للجهد النقدي الذي واكب القصيدة العُمانية تشي بضيق المساحةِ التي منحها الباحثون لفن المعارضات، فخلت المكتبةُ العُمانيةُ من دراسةٍ تتخدُ منها إطاراً، وهو ضيقٌ يثير الدهشةَ، نظراً لكونها واحدةً من أهم الظواهر الفنية بروزاً وأكثرها امتداداً.
ولم يقفِ الأمرُ عند حدود الضِّيقِ بل امتدَّ إلى المعالجةِ، فاتَّسمتْ بالعجلة حيناً والسطحية أحايين أُخر، مما أوقع بعض الباحثين في مزالق منهجيةٍ متعددة، من بينها: