العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان
الجزء ١٩ · صفحة ١٢4/أ- الخطأ في تحديد القصائد المُعارَضة:
ويتجلّى هذا الملمحُ فيما ذهب إليه د. شكري بركات (79) من أنَّ النبهاني عارض الخنساءَ في قصيدةٍ من الطويل، طالعها: (80)
قَذىً بعينكَ أم بالعَيْنِ عُوَّارُ
أم ذَرَفَتْ إذْ خَلَتْ من أهلها الدار
بقصيدة تتَّسقُ معها بحراً وقافيةً، طالعها: (81)
ما بالُ عينك منها الدمعُ مدرارُ
كأنَّما فَيْضُها في الخَدِّ أنهارُ
والحقيقة أنَّ القراءةَ المتأنيةَ تَدْحَضُ ما ذهب إليه، وتؤكد أنَّه عارض ذا الرُّمَّةِ في واحدةٍ من عيون شعره، يقول في طالعها: (82)
ما بالُ عينك منها الدمعُ ينسكبُ
كأنَّهُ من كُلىً مَفْريّةٍ سَربُ
فإذا كانت قصيدتا الخنساءِ والنبهاني قد اتَّسقتا بحراً وقافية، وهما عنصران أساسيان في ترجيح حدوث المعارضة، فإنهما وحدهما لا يصلحان للجزم بصحةِ ذلك. وهنا يأتي دَوْرُ الناقدِ، فَيُخْضِعُ القصيدتين لقراءةٍ داخلية تتلمَّسُ مواطن التَّماسِّ بينهما، وهي مواطِنُ يمكن رَصْدُها من خلال ما يُسَمَّى بـ (تناصِّ القوافي) أو بؤرةِ الإشعاع أو المسكوكاتِ اللفظيةِ التي تُهاجِرُ لطواعيةً من القصيدة الأم إلى تابعتها المعارِضة.
وإذا كان (تناصُّ القوافي) أمراً غير مُتَحَقَّقٍ هنا، نظراً لكون النبهاني اختار قافيةً مغايرةً لغايةٍ فنية ذُكِرَتْ في غير موضع، فإنَّ بؤرةَ الإشعاع الممثلة في التماثل الصياغي لصدر البيت الأول (ما بال عينك منها الدمع) تشير إلى أنَّ النبهاني عارض ذا الرمة ولم يعارض الخنساء.
وتزداد العلاقةُ بروزاً عندما نرصُدُ هجرةَ بعضِ المسكوكات اللفظية والتركيبية من نَصِّ ذي الرمة إلى نَصِّ النبهاني، ونذكر منها هذين الموطنين: قال ذو الرمة: (83)
يبدو لعينك منها وهي مزمنة
انُؤْيٌ ومُسْتَوْقَدٌ بالٍ مُحْتَطَبُ
فقال النبهاني: (84)
يبدو لعينك منها بعدما مصحتْ
نُؤْىٌ ومُحْتَطَبٌ بالٍ وأحجارُ
وإذا قال ذو الرمة في موطنٍ ثانٍ:
إلى لوائحَ من أطْلالِ أحْوِيَةٍ
كأنَّها حُلَلٌ مَوْشِيَّةٌ قُشُبُ