العدد 51 المعارضات الشعرية في عمان لأيمن محمد ميدان
الجزء ١٩ · صفحة ١٣فإن النبهاني يُضَمِّنُ صَدْرَ البيتِ فيقول:
إلى لوائح من أطْلالِ أحْوِيةٍ
كأنما أرْسُمَها في الطِّرْسِ أسْطارُ
4/ب- الاختلاف حول القصيدة الأمّ:
ويتجلّى هذا الملمحُ في اختلاف الباحثين حول القصيدةِ المعارَضة، لاسِيما القصائد التي لا تحمل إشارةً واضحةً إلى نِيَّةِ المعارضة أو مصدرها، مثال ذلك ما دار حول نونية أبي مسلم البهلاني المُسَمَّاة بـ (الفتح والرضوان في السَّيْفِ والإيمان)، والتي يبدؤها بقوله: (85)
تلك البوارِقُ حادِيهنَّ مِرِنانُ
فما بَطَرْفِكَ يا ذا الشَّجْوِ وَسْنانُ
حيث ذهب د. هيكل إلى أنَّ «رائعةَ أبي مسلم معارضةٌ متميزةٌ لرائعةِ الشّاعِرِ الأندلسي أبي البقاء صالح بن شريف الرُّنْدِي الذائعة الصِّيت:
لكلِّ شَيءٍ إذا ما تَمَّ نُقْصانُ
فلا يُغَرُّ بِطيبِ العَيْشِ إنْسانُ (86)
بينما ذهب د. محمد المحروقي إلى أنَّها معارضةٌ لنونية أبي الفتح البُسْتِيّ، وطالعها:
زيادةُ المَرْءِ في دُنْياهُ نُقْصَانُ
وربحه غير مَحْضِ الخَيْرِ خُسْرانُ (87)
وإذا أعدنا النظرَ مُقارنينَ بين القصائد الثلاث لوجدنا اتِّساقاً إيقاعياً تاماً يجمعها (بحراً وقافيةً)، وهو اتِّساقٌ لا يَحْسِمُ - في حالتنا تلك - خلافاً أو يُرَجِّحُ احتمالاً.
ولما كان البهلاني حريصاً على خَلْقِ عالمٍ خاصٍّ يُحَقِّقُ له خصوصيةً تبلورت في إعجابه بالنصِّ الشعري التراثي، إعجابَ القادرِ على تجاوزه والفكاك من أسره فطالت معارضاتُه طولاً مفرطاً، فإننا سوف نعجز عن رَصْدِ مسكوكاتٍ لفظية تُقَرِّبُ معارضَتَهُ من قصيدةِ البستي أو قصيدةِ الرُّنْدِيّ. وهنا يُصْبح الموضوعُ وحده آخرَ عنصرٍ يمكن أن يَرُدَّ نَصَّ البهلاني إلى مصدره الذي عارضه.
ودراسة موضوع قصيدتي البستي والرُّنْدِي تجعل قصيدةَ البهلاني أشدَّ انجذاباً إلى قصيدة الرُّنْدِي، فكلتاهما تُعَبِّرانِ عن واقِعٍ إسلامي مُزْرٍ، وتدعوان إلى تجاوزه باستنهاض الهمم، أما قصيدة البستي فقد غرقت في طوفان من الحكم التي تتقاطع دلالياً مع مقدمة قصيدة الرُّنْدِي، إذ تُقَرِّرانِ قاعدةً إنسانيةً عامةً تتجلى في أنَّ تمامَ الشيءِ بَدْءُ نقصانه. (88)
4/جـ- الافتقار إلى الدقة:
ثمة أحكامُ أطلقها بعض الباحثين تفتقر إلى الدقة، من تلك الأحكامِ ما ذهبت إليه سعيدة خاطر في معرض تناولها للمعارضات في عصر النباهنة، عندما قصرتْ هذا الفن على شاعرين هما: السّتالي والنبهاني، وعندما جاءت إلى اللوّاح والكيذاوي أصدرتْ حكماً قائلةً «أما اللوّاح والكيذاوي فقد لا نكاد نلمح لهذا النوع من الفَنِّ ملمحاً بارزاً لديهما، واقتصر استلهامهما للتراث في استعارةِ لفظٍ أو عبارةٍ أو معنى أو تَشَابُهِ مَطْلَعِ قصيدة» (89) وهو حكم تهدمه العودةُ إلى ديوان اللّوّاح الخروصي، حيث تشير القراءةُ العَجْلى إلى عددٍ من القصائد التي حاورها مُعارَضةً، كعينية أبي ذؤيب التي عارضها بقصيدة تتَّسِقُ معها إيقاعاً وغَرَضاً فقال: