العدد 65 عمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى لعبد الله بن علي العليان
الجزء ٢٢ · صفحة ٤الخبرة الاقتصادية جعلت العمانيين محل ثقة وتقدير من المتعاملين مع هذه الشعوب حيث الأخلاق الإسلامية السمحة و زودت التاجر العماني بروح الصدق والتسامح ذات الصلة بالمعاملات الفردية والجماعية وتمكن العمانيون أن يثبتوا كيانهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ليس في منطقة الساحل الإفريقي فحسب وإنما في بعض المناطق الداخلية التي تتصل بالساحل عن طريق المعابر التجارية .. ولم يقتصر العمل التجاري العماني على مناطق شرقي إفريقيا بل تعداه إلى مناطق الهند والصين .. وأصبحت التجارة العمانية رائدة الطرق التجارية البحرية الموصلة إلى الهند. والى الساحل الشرقي الإفريقي، على الرغم مما كان يعترض ذلك من صعوبات». (16)
كما أن السلع المتبادلة بين عمان وشرق أفريقيا، وهي عنصر هام من عناصر الصلة التجارية الوطيدة، فإن بعض المصادر الجغرافية تذكر أن العمانيين كانوا يمارسون التجارة التبادلية بصورة كبيرة، إلا أن الذهب يعد أهم سلعة كانت السفن العمانية تصدرها من شرق أفريقيا إلى الخارج، باعتبارها أهم معدن هام يتم تسويقه لقيمته النفيسة بين دول العالم.
ثم تأتي السلع الأخرى ذات الأهمية التجارية وهي المواد العطرية وأهمها العنبر «في مقدمة البضائع المنقولة بين عمان وشرق أفريقيا، وذلك لما له من شهرة واسعة في الأسواق العربية. فالعنبر هو من أهم أنواع الطيب الذي يتوفر في بلاد الزنج، وشق طريقه إلى عمان وبقية أقطار الخليج العربي، وأصبحت مناطق وجوده في شرق أفريقيا، مثل مالندي ومقديشو وزنجبار، مقصد التجار. ويبدو أن أصحاب المراكب العمانيين كانوا يعرفون مناطق جمع العنبر والطرق الخاصة التي استخدمها سكان سواحل شرق أفريقيا في جمعه.
كما نجد في قائمة التبادل التجاري العماني مع شرق أفريقيا الجلود، لا سيما جلود النمور الزنجية ذات الجودة والنعومة الشديدة. أما أهم المراكز التي كانت تصدرها في شرق أفريقيا فهي مالندي ومومباسا حيث كان أهلها يحملون الجلود إلى الساحل ومن ثم يأتي أصحاب المراكب من عمان وغيرها من أجل شرائها. كما كانت جزيرة قنبلو التي ذكرها المسعودي من أهم المراكز التجارية التي حمل العمانيون منها جلود النمور. (17).
وفي أوائل القرن التاسع عشر كان الأسطول العماني والحربي أيضاً يعتبر ثاني أكبر أسطول ويأتي في المرتبة الثانية بعد الأسطول البريطاني كما تذكر بعض المصادر «وكان لهذا الأسطول الضخم قواعد رئيسية على الساحل الشرقي للخليج العربي في موانئ بندر عباس وحاسك وشامل وسياب ولنجة وجزر قشم، وهرمز، ولاراك، وكانت قواعده على الساحل العماني مطرح، وجزيرة مصيرة. أما على الساحل الأفريقي فكان لعمان قواعد بحرية في ممباسة، ولامو وكلوة، ومركة، ومقديشو، وزنجبار. وكان السيد سعيد بن سلطان البوسعيد الذي حكم أكثر من نصف قرن دولة واسعة في الخليج العربي والمحيط الهندي ينتقل بين ممتلكاته في عمان والساحل الأفريقي، وكان يقضي فترة طويلة على ظهر السفن يتفقد بلدان هذه الدولة الشاسعة الأطراف.
وقد ذكر أحد التجار الأمريكيين الذي زار زنجبار في بداية الثلاثينات من القرن التاسع عشر، أن السيد سعيد وصل البلاد على رأس قوة تتألف من سفينة مزودة بأربعة وستين مدفعاً، وثلاث فرقاطات مزودة لكل منها بستة وثلاثين مدفعاً، وسفينتين مزودة كل منهما بأربعة عشر مدفعا، وحوالي مائة مركب نقل عليها ستة آلاف مقاتل. ورغم بعد الممتلكات العمانية في أفريقيا عن عمان بأكثر من ألفي ميل إلا أن الأسطول العماني كان من القوة بحيث استطاع أن يحرس هذه الممتلكات الشاسعة الممتدة بين بندر عباس وزنجبار، كما استطاع أن يحرس عشرات الموانئ الواقعة على السواحل العربية والأفريقية وعشرات الجزر المتناثرة في الخليج العربي والمحيط الهندي». (18)
العمانيون وصناعة السفن
عندما فكر العمانيين في التجارة البحرية، وبروز موقع عمان الاستراتيجي على الخطوط العالمية للتجارة، اتجهت أذهانهم إلى صناعة السفن، والاعتماد على أنفسهم في بناء هذه الوسائل الهامة في النشاط الاقتصادي، بدلاً من استجلابها من الخارج، فكان هذا التحدي الهام في حياتهم العملية، «ولكون عمان مركزاً للملاحة والتجارة البحرية، كان يستلزم أن تقوم فيها صناعة السفن. وكان العمانيون يتبعون في صنع سفنهم التقاليد السائدة في صناعتها في المحيط الهندي والتي تتميز عن صناعتها في البحر المتوسط من حيث أن سفنها كانت تخرز بالألياف وتشد ولا تسمر بمسامير الحديد.
وكان بعض العمانيين يذهبون إلى الهند ليصنعوا سفنهم فيها نظراً لتوفر الأخشاب هناك، غير أنهم كانوا في نفس الوقت يجلبون من تلك المناطق الأخشاب ويصنعون البعض الآخر من السفن في عمان نفسها، وفي كلتا الحالتين كان العمانيون هم الذين يصنعون السفن. وهذا واضح من كلام أبي زيد الذي يذكر أن من يقصد الجزر التي تنتج جوز الهند «ومعهم آلات النجارة وغيرها فيقطعون من خشب النارجيل ما أرادوا، فإذا جف قطعوا ألواحاُ ويفتلون من ليف النارجيل ما يخرزون به ذلك الخشب ويستعملون منه مركباً وينحتون منه أدق لآلئ وينسجون من حوضه شراعاً ومن ليفه حزابات وهي القلوى .. فإذا فرغوا منه جميعاً شحنت المراكب بالنارجيل فقصد بها عمان فبيع». (19)
وتذكر بعض المصادر أن السفن التي كانت تبحر إلى شرق أفريقيا ويديرها ملاحون عمانيون كانت صناعة عمانية خالصة، «وكان العمانيون يتبعون في صنع سفنهم التي تذهب إلى شرق أفريقيا التقاليد السائدة في صناعة