مقالات من مجلة نزوى العُمانية مجلة نزوى

العدد 65 عمان والتواصل الحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى لعبد الله بن علي العليان

الجزء ٢٢ · صفحة ٥

السفن التي تمخر المحيط الهندي من حيث كونها تخاط بالألياف المصنوعة من ليف جوز الهند ولا تدخل في إنشائها مسامير الحديد والسبب في ذلك يعود إلى كثرة الصخور في مياه المحيط الهندي فإذا كانت السفينة مسمرة بالحديد واصطدمت بالصخور فإنها تنكسر وإذا كانت مخيطة تكون لينة لا تنكسر ويعزو المسعودي سبب الخياطة بالألياف إلى أن الحديد لا يثبت في المركب لأن مياه المحيط تذيبه ولذلك عمد العمانيون إلى خياطة ألواح السفن بالليف ثم يطلونها بالشحوم والنورة.

وهكذا شمل النشاط التجاري البحري العماني مع شرق أفريقيا مختلف الجوانب من امتلاك السفن وصناعتها وإدارتها، ولابد أن نشير بشكل موجز إلى طبيعة عمل الأفراد الذين عملوا في السفن العمانية المبحرة إلى شرق أفريقيا، فقد كان بعضهم يمتلك السفن ويديرها، والبعض يديرها فقط، فقد يؤجر ملاح لقيادة السفينة لرحلة واحدة أو أكثر بأجر متعارف ومتفق عليه يختلف باختلاف طول الرحلة التجارية، ويعمل مع الملاح مجموعة من العاملين ويقسمون عادة إلى اثنتي عشرة مرتبة كل لها عملها الخاص. (20)

ويعتقد أن المراكب العمانية أدخلت عليها تعديلات عديدة مع مرور السنين بهدف السعة الاستيعابية ومواجهة الرياح والأمواج العاتية، وبدأت السفن الجديدة الكبيرة تحل محل السفن التقليدية والقديمة وهكذا.

وكان خشب الساج والنارجيل يستوردا من الهند والمالديف والكالديف وهي المناطق التي يحتمل أن انتقلت منها زراعة النارجيل إلى ظفار خلال العصور الوسطى. وقد شهدت هذه الجزر نشاطاً ملحوظاً في بناء السفن ويقول أبو زيد الحسن السيرافي الذي عاش في القرن الرابع هـ/العاشر م بأن جماعات من عمان كانوا يفدون إلى تلك الجزر التي تزرع جوز الهند ومعهم أدواتهم وعدتهم ويقوموا بقطع ما يشاؤون من تلك الأشجار ثم يتركونه ليجف، وينزعون عنه الأوراق ويفتلون من لحاء أشجاره حبالاً يصنعون منها المراكب. وكان شجر جوز الهند متعدد الفوائد بالنسبة لأهل عمان فمنه أيضاً يصنعون أشرعة السفن.

تتحدث بعض المصادر عن شكل نوع من المراكب كانت مستعملة في عمان وذلك مما ذكره الادريسي عن أسطول قيس من أن ملك جزيرة قيس كان مرهوب الجانب وكان أهل الهند يخشونه ولا يستطيعون مقاومته إلا بنوع من المراكب تسمى «المشيات»، تستطيع رغم أنها من قطعة واحدة أن تحمل مائتي رجل كما يقول أن أحد الرحالة المعاصرين قد ذكر أن لملك قيس خمسين من هذه المراكب، وهي مصنوعة من كتلة خشبية واحدة تبدو وكأنها قارب ضخم جداً من قوارب «الهورى» الذي لا يزال يستخدم في عمان حتى اليوم. (21)

(بقية الدراسة في موقع المجلة الالكتروني)

ويصف أبو سعيد البلخي في القرن التاسع الميلادي (القرن الثالث للهجرة) الطرق التقليدية لبناة السفن العمانيين كما يلي: «كان هناك قوم في عمان وصلوا إلى الجزر التي تنتج جوز الهند وقد حملوا معهم أدوات النجارة وما شابهها، وبعد أن قطعوا من الأخشاب ما يشاؤون، تركوها لتجف ثم أزالوا الأوراق كما غزلوا خيوطاً من لحاء الشجر ثم خاطوا الألواح ببعضها وقاموا ببناء الدفة، وباستخدام نفس الخشب، قاموا ببناء الصواري، كما حاكوا من الأوراق أشرعتهم وحولوا الليف إلى حبال للسفينة، وبعد أن انتهوا من بناء مركبهم، حملوه بجوز الهند وجلبوه ليباع في عمان». (21)

وتعتبر صناعة السفن حرفة متوارثة في العديد من المدن العمانية منذ القدم ومن هذه المدن صور التي تعد صناعة السفن فيها قديمة نظراً للنشاط البحري العماني في هذه المدينة وبقية المدن العمانية وموانئها الهامة، وتذكر بعض المصادر أن في صور نوع تشتهر بصناعته وهو البغلة والشكل الأصغر منه هو الغنجة وكليهما سطح مرتفع ونوافذ في مؤخرة السفينة على نمط السفن البرتغالية الحربية القديمة المسماة غليون. واليوم تسير المراكب بمحركات أما في فترة الستينات فلم تكن تتحرك إلا بالأشرعة. وتنتهي عملية بناء السفن بعد بناء الهيكل وسدّ شقوق السفينة. لقد سبق للبحارة الذين ركبوا البحار أن عملوا الأشرعة وجهزوا السفن وأقلعوا بها من أرض المرفأ. وقد قام «آلن فيليرز» Alan Villiers، المؤرخ البحري، بعدد من الرحلات البحرية على مركب عربي في الثلاثينات وهو يصف في كتابه «أبناء السندباد» آخر أكبر سفينة من نوع البغلة تم بناؤها في عمان. كانت السفينة تسمى أمل الرحمة وكانت تزن مايقرب من 200 طن و سعتها 3000كيس من التمر ولكنها صغيرة نسبياً إذا ما قورنت بالسفن التي بنيت قبلها والتي تصل من حيث الوزن إلى 500 و 600 طن وتحمل 400 رجل أو أكثر. (22)

وهناك الكثير من المواقف والمعلومات للتاريخ البحري العماني لا يتسع المقام لسردها. و في عهد جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم أعيد الاعتبار لهذا التاريخ المجيد للبحرية العمانية، وقامت حكومة جلالته بتخليد هذا التاريخ البحري المجيد لعمان. وانطلاقاً من هذا المجد البحري العريق تسعى سلطنة عمان في جهد دؤوب وعمل متصل لإحياء تراث الأجداد البحري بأسلوب حضاري حيث قام البحارة العمانيون بقيادة سفينتهم الشراعية (شباب عمان) إلى موانىء العالم مستلهمين في ذلك التقاليد البحرية العمانية الرائدة التي يعود تاريخها إلى ما قبل أربعة آلاف عام.

وفي 22 مارس عام 1986م وبأمر من جلالة السلطان قابوس المعظم أبحرت القطعة البحرية السلطانية «شباب عمان» في أول رحلة لها إلى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في احتفالاتها بالعيد المئوي لتمثال الحرية في

٢٢٨ / ٣٥٢